من هو المثقف

يمنات
زكريا نمر
بعض المثقفين لا يدافعون عن الحقيقة، بل يدافعون عن القبيلة والمسؤول الفاسد والجهة التي ينتظرون منها مصلحة. وحين تتعارض مصالحهم مع مصلحة المجتمع، لا يترددون في التضحية بالحقيقة، حتى لو كان الثمن مزيدا من الفقر والجهل والانقسام. هؤلاء لا يستخدمون المعرفة لفهم الواقع وتغييره، بل يوظفونها لتبرير أخطائه وحماية المسؤولين عن فشله.المثقف الذي لا يستطيع انتزاع نفسه من الانتهازية، ولا يملك الشجاعة لمواجهة جماعته عندما تخطئ، لا يؤدي دورا حقيقيا في المجتمع. فالشهادة الأكاديمية لا تمنح صاحبها وعيا نقديا تلقائيا، والقدرة على الحديث في المنابر وكتابة المنشورات لا تجعل الإنسان مثقفا بالضرورة. قيمة المثقف في قدرته على التفكير المستقل، وكشف الفساد، ومساءلة السلطة، ومواجهة الأفكار التي تدفع المجتمع نحو الصراع والتخلف، حتى عندما تصدر هذه الأفكار عن أشخاص ينتمي إليهم.
في الواقع السياسي والاجتماعي، نجد من يقدم نفسه باعتباره مثقفا، لكنه يقف في صف المسؤول الفاسد لمجرد أنه ينتمي إلى قبيلته، ويدافع عن أبناء السلطة مهما كانت أخطاؤهم، ويبحث عن المبررات لكل فشل يصدر عن جماعتهم. لا يناقش الوقائع ولا يسأل عن الأموال العامة التي أهدرت، ولا عن المؤسسات التي تعطلت، ولا عن المدارس التي تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم الحديث. كل ما يهمه هو حماية الأشخاص الذين يرى أن الدفاع عنهم واجب قبلي أو سياسي.هذا النوع من المثقفين لا يكتفي بالصمت عن الفساد، بل يمنحه غطاء اجتماعيا، ويحول النقاش من محاسبة المسؤول إلى الدفاع عن هويته. فإذا انتقد أحدهم مسؤولا فاسدا، سارع إلى اتهامه باستهداف القبيلة، وإذا طالب بمحاسبة أحد أبناء السلطة، جرى تصويره عدوا للجماعة. وبهذه الطريقة تصبح القبيلة وسيلة لإسكات النقد، ويصبح الفساد قضية انتماء بدلا من أن يكون قضية قانون ومسؤولية عامة.
ما الذي يجعل شخصا متعلما يدافع عن مسؤول يعرف أنه فاسد، ثم يطالب الناس باحترام موقفه باعتباره موقفا فكريا؟ هل فقد القدرة على التمييز بين المصلحة العامة ومصلحة جماعته، أم أنه يعرف الحقيقة لكنه يفضل تجاهلها حتى لا يخسر موقعه أو
ارسال الخبر الى: