المثقف الذي يبيع عقله مقابل التصفيق

يمنات
زكريا نمر
أخشى أننا لا نعاني أزمة مثقفين بقدر ما نعاني أزمة أشخاص أتقنوا الحديث عن الوعي، لكنهم لم يتحرروا من أبسط أشكال التعصب. أشخاص يكتبون عن الحرية، لكنهم يضيقون بالرأي المخالف، وينتقدون الفساد ما دام بعيدا عن جماعتهم، ويتحدثون عن بناء الدولة، ثم يعودون إلى حسابات القبيلة والحزب عندما تُختبر مواقفهم. وهنا يصبح السؤال المحرج: هل صنعت المعرفة عقولاً مستقلة، أم أننا منحنا التعصب شهادات عليا ولغة أكثر أناقة؟.من هو المثقف إذن؟، هل هو الذي قرأ كثيرا، أم الذي يستطيع أن يفهم ما يقرأه ويختبره في الواقع؟ وهل يصبح الإنسان مثقفا بمجرد أن ينشر كتابا أو يجلس على منصة ثقافية؟ أعتقد أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الثقافة إلى لقب اجتماعي، ويصبح الاهتمام بصورة المثقف أكبر من الاهتمام بما ينتجه من أفكار.
في تقديري، المثقف ليس شخصا يعرف أكثر من الآخرين بالضرورة، وإنما إنسان لا يتوقف عند ما يعرفه، ولا يمنح أفكاره قداسة لمجرد أنه يؤمن بها. يستطيع أن يختلف مع أسرته وقبيلته وحزبه، وأن يعترف بخطئه دون أن يشعر بأنه خسر معركة. أما الذي يقرأ ليجد مبررات لما يؤمن به مسبقا، فهو لا يستخدم المعرفة لتوسيع أفقه، بل لتقوية قناعاته القديمة.خذ مثلا شخصا يتحدث عن الديمقراطية وحرية التعبير، لكنه يغضب عندما ينتقد أحدهم الحزب الذي يؤيده. أو كاتبا يهاجم الفساد، ثم يصمت عندما يتعلق الأمر بمسؤول من قبيلته. أو مثقفا يطالب المجتمع بالتخلص من التعصب، لكنه لا يستطيع مناقشة قضية واحدة بعيدا عن انتمائه السياسي أو الاجتماعي. هل نحتاج هنا إلى مزيد من الكتب، أم إلى مراجعة علاقتنا بما نقرأ ونكتب؟
المشكلة أن بعض الناس يريدون المثقف في صفهم قبل أن يريدوه صاحب رأي. يعجبهم عندما ينتقد خصومهم، ويصفونه بالموضوعية عندما يتفق معهم، ثم يتهمونه بالانحياز عندما يوجه النقد إليهم. وفي هذه الحالة، لا يعود النقاش حول صحة الفكرة، بل حول هوية الشخص الذي قالها. وهذه واحدة من العقبات التي تجعل الحوار العام يدور في حلقة مغلقة.في جنوب
ارسال الخبر الى: