المتحف المصري الكبير تاريخ البلاد في نصف مليون متر مربع
112 مشاهدة
على بعد أمتار من أهرامات الجيزة يقف المتحف المصري الكبير شاهدا على رحلة بلد آمن بأن حضارته لا تقاس بالزمن بل تقاس بقدرتها على أن تبقى حية في وجدان الإنسانية اليوم تفتح أبواب هذا الصرح الفريد أمام العالم لتبدأ صفحة جديدة من علاقة مصر بتاريخها وتقدم للعالم أكبر متحف أثري في تاريخه الحديث فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير ولدت في تسعينيات القرن الماضي حين طرحت رؤية طموحة لتحويل هضبة الأهرامات وما يجاورها إلى مثلث ثقافي ذهبي يربط الماضي بالحاضر في تجربة متكاملة المشروع الذي حمل ملامح الحلم منذ البداية تطور تدريجيا حتى أصبح رمزا وطنيا يجسد التقاء الخيال الهندسي بالإرادة السياسية بدأت المرحلة التنفيذية الأولى عام 2002 بإشراف وزارة السياحة والآثار المصرية وبتمويل مشترك من الحكومة اليابانية وهيئة التعاون الدولي جايكا في إطار مشروع دولي اعتبر الأضخم في مجال المتاحف خلال القرن الحادي والعشرين وبحسب الهيئة العامة للاستعلامات ورئاسة الجمهورية يمتد المتحف على مساحة نصف مليون متر مربع أي نحو 117 فدانا ليصبح واحدا من أضخم المتاحف في العالم بواجهة تطل مباشرة على أهرامات الجيزة كما لو أن الحجارة القديمة تحيي وريثتها الجديدة تبدأ رحلة الزائر من ميدان المسلة المصرية حيث تفتح الواجهة الزجاجية العملاقة للمتحف المعروفة باسم حائط الأهرامات على مشهد مهيب بعرض 600 متر وارتفاع 45 مترا من هناك يقود الطريق إلى داخل المبنى المكون من كتلتين مبنى المتحف إلى الجنوب ومبنى المؤتمرات إلى الشمال يتوسطهما بهو المدخل الذي يحتضن تمثال الملك رمسيس الثاني وكأنه يستقبل أبناءه وزواره بعد رحلة عمرها آلاف السنين منذ لحظة دخول المتحف يدرك الزائر أن ما يراه ليس مجرد مبنى لعرض القطع الأثرية بل منظومة متكاملة صممت لتقدم التاريخ بأسلوب عصري تفاعلي في الداخل تمتد قاعات العرض الدائم على مساحة 18 ألف متر مربع تروي قصة الحضارة المصرية من عصور ما قبل الأسرات إلى العصرين اليوناني والروماني يقف الدرج العظيم واحدا من أكثر العناصر إبهارا إذ يضم 42 قطعة أثرية ضخمة تروي تسلسل الحضارة المصرية من الحجر إلى الدولة الحديثة فيما تتوزع القطع الأخرى وعددها الإجمالي يقترب من 100 ألف قطعة في قاعات مجهزة بأحدث تقنيات العرض والإضاءة للمرة الأولى في التاريخ تعرض المجموعة الكاملة للملك الذهبي توت عنخ آمون في مكان واحد أكثر من خمسة آلاف قطعة من كنوزه التي اكتشفت عام 1922 تعرض مجتمعة داخل قاعتين بمساحة 7500 متر مربع صممت لتعيد الحياة إلى تفاصيل اكتشاف المقبرة الأسطورية بكل ما حملته من رمزية ويشمل ذلك التابوت الذهبي الذي خضع لعمليات ترميم دقيقة داخل مختبرات المتحف منذ عام 2019 استعدادا لعرضه ضمن المجموعة الملكية بحسب رئاسة الجمهورية يضم المبنى أيضا متحفا للأطفال بمساحة خمسة آلاف متر مربع يعتمد على الوسائط التفاعلية ليتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى تاريخها من خلال التجربة لا التلقين وخصصت قاعات عرض لذوي القدرات الخاصة ومكتبة علمية متخصصة في علم المصريات تضم مراجع نادرة إلى جانب ذلك يوجد مركز للترميم هو من الأكبر والأحدث في العالم مجهز بأحدث التقنيات والأجهزة الدقيقة بالتشارك مع هيئة التعاون الدولي اليابانية جايكا هذا المركز أنجز ترميم أكثر من 50 ألف قطعة أثرية استعدادا للعرض بنسبة إنجاز تجاوزت 98 من إجمالي القطع المنقولة وهو رقم غير مسبوق في أي مشروع متحفي معاصر لم يتوقف الطموح عند حدود العرض الأثري فالمتحف صمم ليكون مركزا ثقافيا واقتصاديا متكاملا يضم مبنى المؤتمرات قاعة كبرى متعددة الاستخدامات تسع نحو 900 شخص وسينما ثلاثية الأبعاد ومركزا ثقافيا يضم فصولا للحرف والفنون التراثية أما المنطقة الخارجية فتضم مطاعم مطلة على الأهرامات وحدائق ترفيهية تمتد على 58 ألف متر مربع وحديقة أرض مصر التي تحاكي البيئة الزراعية في وادي النيل القديم بهذا المعنى لم يبن المتحف ليكون مخزنا للآثار بل ليصبح مدينة ثقافية نابضة بالحياة تدمج بين السياحة والمعرفة والترفيه وراء هذا الإنجاز تقف قصة من التعاون الدولي والالتزام بالتنمية المستدامة المتحف المصري الكبير هو ثمرة شراكة طويلة بين مصر واليابان تمثلت في دعم فني ومالي من جايكا عبر قرضين تنمويين وتبادل للخبرات في مجالات الترميم والحفظ وحصل المتحف على شهادة EDGE Advanced الدولية للمباني الخضراء من مؤسسة التمويل الدولية IFC ليصبح أول متحف في أفريقيا والشرق الأوسط يصنف مبنى أخضر مستداما يستهلك موارد أقل وينتج أثرا بيئيا أخف تتجسد في المتحف المصري الكبير فلسفة مصر الجديدة الحفاظ على تراثها العريق بأدوات القرن الحادي والعشرين وتوظيف العلم والتكنولوجيا في خدمة التاريخ والهوية فكل ركن فيه من الدرج العظيم إلى مكتبة الكتب النادرة يعكس حرص الدولة على تقديم تجربة تليق بمكانة مصر العالمية وتجعل من المتحف ليس فقط موقعا للعرض بل مركزا للحوار الثقافي والبحث العلمي والتعاون الدولي ومع الافتتاح الرسمي اليوم الذي أقر مجلس الوزراء اعتباره يوم إجازة رسمية لإتاحة الفرصة للمصريين لمتابعة الحدث يقام الاحتفال في الساعة السابعة مساء بتوقيت القاهرة بحضور رسمي واسع يضم 79 وفدا دوليا بينها 39 وفدا برئاسة ملوك وأمراء ورؤساء دول وحكومات من مختلف القارات ويذكر من بين أبرز القادة المشاركين الملك الإسباني فيليبي السادس ملك إسبانيا والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير ورئيس قبرص نيكوس خريستودوليدس والرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى جانب قادة من الأردن والبحرين وسلطنة عمان والإمارات والسعودية واليابان وتايلاند وغيرهم كما يحضر رؤساء حكومات من دول أوروبية وعربية وآسيوية بينهم رؤساء وزراء اليونان والمجر ولبنان والكويت وبلجيكا وهولندا إضافة إلى تمثيل وزاري وبرلماني رفيع من أكثر من أربعين دولة ويشارك كذلك عدد من قيادات المنظمات الدولية والإقليمية من بينهم الأمين العام لجامعة الدول العربية ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي والممثل السامي لتحالف الحضارات نيابة عن الأمين العام للأمم المتحدة إلى جانب رئيس وكالة التعاون الدولية اليابانية جايكا وعدد من رؤساء وممثلي كبرى الشركات العالمية ويقدر أن يستمر الاحتفال نحو تسعين دقيقة يعقبها جولة داخل قاعات المتحف المصري الكبير للضيوف على أن تفتح الأبواب أمام الجمهور اعتبارا من الثلاثاء 4 نوفمبر تشرين الثاني مع تمديد ساعات الزيارة يومي السبت والأربعاء حتى العاشرة مساء وتشير المعلومات الرسمية إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيتولى استقبال رؤساء الوفود في ثلاثة مطارات مخصصة قبل توزيعهم على فنادق قريبة من الأهرامات أو مقار إقامة تابعة للسفارات في إطار ترتيبات أمنية ولوجستية مكثفة تشمل البث الحي للحدث وتغطية إعلامية مفتوحة محليا ودوليا