عبد اللطيف التلباني أغنية قصيرة لم تكتمل فصولها
لا يمكن فهم الموقع الذي احتله المطرب المصري عبد اللطيف التلباني (1936- 1989) بمعزل عن الرحلة التي قطعها بين بيئتين متباينتين؛ من ميلاده ونشأته في قرية العزيزية بمركز منيا القمح التابعة لمحافظة الشرقية، وهي بقعة غارقة في أصالة الريف المصري ونقائه، إلى انطلاقته الفنية من مبنى كلية الآداب في جامعة الإسكندرية، وانطلاق صوته من إذاعة العاصمة الثانية.
في منتصف الخمسينيات، جاء شاب من ريف الشرقية يحمل في حنجرته بحة الشجن الفلاحي، وفي روحه طموح المدينة الصاخب. هو ذاك المثقف الذي لم يكتفِ بالغناء والتمثيل، بل اقتحم عالم الإنتاج ليحمي استقلالية فنه، وكأنه كان يدرك أن الوقت لن يمهله طويلاً.
وبينما كان الإذاعي حافظ عبد الوهاب يرى فيه حليماً جديداً يخرج من المحافظة نفسها، كان التلباني يشق طريقاً مغايراً لا يعرف الجمود، يتنقل فيه بين الغناء لبرج الجزيرة، ومناجاة بحر الإسكندرية، والصدح بالعروبة من مصر إلى السودان.
لكن القدر، الذي منحه صوتاً مفعما بالحياة والبهجة، كتب له فصلاً ختامياً تراجيدياً صامتاً برحيلٍ مفجع، وإرث فني كبير لم ينل من الإنصاف النقدي ما يستحق، بالرغم من نجاحه في أن يصبح رقماً مهماً في معادلة الطرب عموماً، والأغنية الخفيفة خصوصاً، فشملت قائمة ملحنيه أسماء بوزن رياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد الموجي ومحمد فوزي ومنير مراد، مع قدرة على صياغة هوية بصرية وصوتية شكلت جزءاً أصيلاً من وجدان الطبقة الوسطى المصرية في عصرها الذهبي.
مثلت الإسكندرية النقلة الكبرى في حياة التلباني، فلم تكن المدينة الكبيرة مجرد مقر أكاديمي تحتمه الدراسة في كلية الآداب، بل كانت هجرة فنية نحو مجتمع يمثل قمة الانفتاح الكوزموبوليتاني. في الإسكندرية، تحديداً في حيي باب سدرة وكرموز، لم يتعلم التلباني الموسيقى في قاعات مغلقة فحسب، وإنما تشربها من رصيف الفن، وعالم المقاهي والمتعهدين.
أكسبه احتكاكه بمقاهي الفنانين وموردي العوالم الذكاء الاجتماعي الفني اللازم للتعامل مع الجمهور، فعرف كيف يطوع صوته ليناسب الكازينو المبهج والصالون الراقي في آن، كما منحته دراسة الآداب عقلية المثقف، فلم يكن مجرد مؤدٍّ، فقد امتلك حساسية
ارسال الخبر الى: