عبد اللطيف التلباني أغنية قصيرة لم تكتمل فصولها

93 مشاهدة
لا يمكن فهم الموقع الذي احتله المطرب المصري عبد اللطيف التلباني 1936 1989 بمعزل عن الرحلة التي قطعها بين بيئتين متباينتين من ميلاده ونشأته في قرية العزيزية بمركز منيا القمح التابعة لمحافظة الشرقية وهي بقعة غارقة في أصالة الريف المصري ونقائه إلى انطلاقته الفنية من مبنى كلية الآداب في جامعة الإسكندرية وانطلاق صوته من إذاعة العاصمة الثانية في منتصف الخمسينيات جاء شاب من ريف الشرقية يحمل في حنجرته بحة الشجن الفلاحي وفي روحه طموح المدينة الصاخب هو ذاك المثقف الذي لم يكتف بالغناء والتمثيل بل اقتحم عالم الإنتاج ليحمي استقلالية فنه وكأنه كان يدرك أن الوقت لن يمهله طويلا وبينما كان الإذاعي حافظ عبد الوهاب يرى فيه حليما جديدا يخرج من المحافظة نفسها كان التلباني يشق طريقا مغايرا لا يعرف الجمود يتنقل فيه بين الغناء لبرج الجزيرة ومناجاة بحر الإسكندرية والصدح بالعروبة من مصر إلى السودان لكن القدر الذي منحه صوتا مفعما بالحياة والبهجة كتب له فصلا ختاميا تراجيديا صامتا برحيل مفجع وإرث فني كبير لم ينل من الإنصاف النقدي ما يستحق بالرغم من نجاحه في أن يصبح رقما مهما في معادلة الطرب عموما والأغنية الخفيفة خصوصا فشملت قائمة ملحنيه أسماء بوزن رياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد الموجي ومحمد فوزي ومنير مراد مع قدرة على صياغة هوية بصرية وصوتية شكلت جزءا أصيلا من وجدان الطبقة الوسطى المصرية في عصرها الذهبي مثلت الإسكندرية النقلة الكبرى في حياة التلباني فلم تكن المدينة الكبيرة مجرد مقر أكاديمي تحتمه الدراسة في كلية الآداب بل كانت هجرة فنية نحو مجتمع يمثل قمة الانفتاح الكوزموبوليتاني في الإسكندرية تحديدا في حيي باب سدرة وكرموز لم يتعلم التلباني الموسيقى في قاعات مغلقة فحسب وإنما تشربها من رصيف الفن وعالم المقاهي والمتعهدين أكسبه احتكاكه بمقاهي الفنانين وموردي العوالم الذكاء الاجتماعي الفني اللازم للتعامل مع الجمهور فعرف كيف يطوع صوته ليناسب الكازينو المبهج والصالون الراقي في آن كما منحته دراسة الآداب عقلية المثقف فلم يكن مجرد مؤد فقد امتلك حساسية الفنان الذي يدرك قيمة الكلمة وهذا يفسر لاحقا اختياراته الشعرية الدقيقة وتعامله مع شعراء من طراز صلاح جاهين وعبد الفتاح مصطفى كان عام 1957 محطة فارقة في مسيرة التلباني فقد فتحت له أبواب إذاعة الإسكندرية في قصر الأمير عمر طوسون بباكوس هنا لم يمر الرجل مرور الكرام بل نال تزكية لجنة رفيعة المستوى برئاسة حافظ عبد الوهاب وهذا الاعتماد كان بمثابة صك الاعتراف الفني الذي نقله من دائرة مطرب الأفراح والحفلات الإقليمية إلى مصاف النجوم المعتمدين رسميا لتبدأ رحلته مع أولى أغانيه خليني على بالك كان التلباني محظوظا بقربه من أساتذة كبار في بداياته فالملحن محمد المصري كان أستاذا أكاديميا علمه العزف على العود وأصول المقامات في بيته بشارع الإسكندراني هذا التأسيس العلمي هو ما جعل عبد اللطيف التلباني قادرا في مرحلة النضج على تلحين عدد من أعماله لنفسه وهي ميزة نادرة لا يمتلكها إلا المطربون الدارسون الذين لا يعتمدون فقط على الموهبة الفطرية ورغم أصوله الريفية أصبح التلباني إسكندري الهوى انعكس ملح البحر في بحة صوته وصارت أغانيه مثل شراع الحب ويا إسكندرية تعبر عن روح المدينة لقد استطاع التلباني أن يدمج بين رصانة الشرقية في الأداء الغنائي الرصين وبين انطلاق الإسكندرية في الخفة والرشاقة اللحنية ليخلق لنفسه كاريزما خاصة ميزته عن معظم معاصريه وإذا كانت الإسكندرية هي المهد الذي احتضن موهبة التلباني فإن القاهرة بمسارحها وحفلاتها كانت الميدان الذي نضجت فيه الموهبة لتتحول إلى ظاهرة غنائية لم يكن نجاح التلباني وليد الصدفة فقد كان صوته مغريا لكبار الملحنين من أمثال عبد العظيم محمد وفريد الأطرش وعبد العظيم عبد الحق وحلمي أمين وسيد مكاوي لكن علاقته بمحمد الموجي مثلت حجر الزاوية في مسيرته في ليلة 23 أغسطس آب 1960 وعلى خشبة سينما ريفولي ولد عبد اللطيف التلباني نجما جماهيريا من خلال أغنية إللي روحي معاه كان الموجي يبحث دائما عن أصوات قادرة على الجمع بين التطريب والدراما ووجد في التلباني ضالته كانت الأغنية مونولوغا عاطفيا يتطلب قدرة عالية على التحكم في العرب الغنائية من دون فقدان روح الشباب نجاح هذه الأغنية وضع التلباني في منافسة مباشرة مع نجوم الصف الأول وأثبت أن لديه نفسا طويلا وقدرة على الوقوف بثبات في حفلات حية تتطلب كاريزما وحضورا ومن أهم محطات مسيرة التلباني تلك الثقة التي نالها من رياض السنباطي المعروف بصرامته في اختيار الأصوات التي تؤدي ألحانه قدم له همسة حايرة فكشف فيه جانبا آخر هو المطرب الرصين الذي يجيد الوقوف في محراب المدرسة الكلاسيكية مؤديا جملا لحنية مغلفة بالهيبة والشجن كذلك تعامله مع ألحان زكريا أحمد في يا ريت يا أحلام الماضي كان برهانا على امتلاكه ذاكرة تراثية قوية قادرة على استحضار روح التخت القديم بأسلوب عصري لا ينفر منه شباب الستينيات في مقابل الثقل السنباطي وطرب زكريا أحمد انفتح عبد اللطيف التلباني على موجة الحداثة الغنائية مع محمد فوزي قدم خفة دمك مش على حد وهي الأغنية التي استثمر فيها فوزي خفة ظل التلباني وقدرته على أداء السهل الممتنع ما عزز صورته مطربا عصريا وقريبا من قلوب الشباب والتجمعات الأسرية ومع بليغ حمدي قدم في عيونها الحلوة دي ليظهر لمسة بليغ الشعبية التي تتقاطع مع الأداء الإسكندراني ليخلقا معا حالة من الفرح الغنائي التي كانت مطلبا أساسيا في حفلات أضواء المدينة ومع منير مراد قدم عايز عروسة لتظهر فيه شخصية الممثل المطرب الذي يوظف الأداء الدرامي والتمثيلي داخل الأغنية ما مهد له الطريق لاحقا للبطولة السينمائية امتلك عبد اللطيف التلباني تجربة مهمة في التلحين لنفسه وحققت بعض ألحانه شهرة ونجاحا مثل يا إسكندرية والسودان روحها مصر ويا قمر والشوق رمانا وقد أكسبه هذا الاكتفاء الذاتي الفني قدرا من التحرر من سطوة الملحنين تحت إشراف المذيع جلال معوض أصبح التلباني ركنا أساسيا في حفلات أضواء المدينة كان بصوته الرهان الرابح للإذاعة في مواجهة السينما فبينما كان عبد الحليم حافظ مشغولا بأفلامه كان التلباني هو صوت المسرح الذي يشعل حماس الجماهير بأغان وطنية مثل من فوق برج الجزيرة وفوق القنال ليتحول من مجرد مطرب عاطفي إلى صوت وطني يعبر عن أحلام الثورة وتطلعاتها كانت علاقة التلباني بالسينما والتلفزيون محاولة واعية لتقديم نموذج فني متكامل أدرك التلباني مبكرا أن الأغنية في عصر الستينيات والسبعينيات تحتاج إلى صورة وقصة لكي تخلد وهو ما دفعه لاقتحام هذا العالم بكل ثقله ممثلا ومطربا ومنتجا في أحيان كثيرة دخل السينما من بوابة الشباب والمرح في فيلمه الشهير نمر التلامذة 1964 لم يظهر باعتباره مطربا تقليديا يغني للحبيبة في حديقة بل ظهر واحدا من شلة الشباب أحمد رمزي حسن يوسف محمد عوض ما منحه صبغة المطرب الشعبي المتعلم أو ابن البلد المودرن لعل الجانب الأكثر إثارة للإعجاب في مسيرة عبد اللطيف التلباني هو تحوله إلى منتج فني في وقت كان فيه كبار النجوم ينتظرون عقود شركات الإنتاج الكبرى قرر التلباني إنتاج فيلمه الأخير درب اللبانة 1984 يعكس هذا الفيلم وعي التلباني بمتغيرات السوق إذ قدم فيه توليفة تجمع بين الوجوه الشابة الصاعدة آنذاك شريهان والنجوم الثقلاء سعيد صالح سعيد عبد الغني nbsp الفيلم لم يكن مجرد استعراض غنائي بل كان محاولة لتقديم دراما اجتماعية تتحدث عن الوفاء والخيانة والمواجهة ما يؤكد أن التلباني كان يطمح إلى أن يكون صانع أفلام وليس مجرد مؤد في السبعينيات حين بدأت السينما تعاني من أزمات إنتاجية اتجه التلباني إلى المسرح الغنائي وأوبريتات التلفزيون تجربة أوبريت شارع النغم مع المطربة مها صبري والمخرج محمد سالم كانت محاولة جادة لإعادة إحياء مجد المسرح الغنائي nbsp كذلك كانت مسرحياته التلفزيونية مثل كلمة حب وأنا وهي ومراتي تظهره فنانا كوميديا غنائيا يمتلك خفة ظل فطرية وقبولا قويا لدى العائلة المصرية التي كانت تجتمع أمام الشاشة الصغيرة لم يكن يخشى تجربة الاسكتشات أو الأغاني القصيرة التي تخدم الدراما ما جعله فنانا تلفزيونيا بامتياز في عصره الذهبي في الثاني من فبراير شباط عام 1989 وبينما كان المصريون يتأهبون لاستقبال العيد كانت شقة المطرب الشهير في حي التوفيقية بالقاهرة تشهد فصلا مؤلما يتمثل في رحيل التلباني وزوجته وأولاده مختنقين بالغاز كانت فاجعة هزت الوسط الفني المطرب الذي غنى افرحوا يا حبايب واحتفى بالحياة في كل استعراضاته غادرها في لحظة صمت خانقة هذا التناقض الصارخ بين بهجة الصوت وقتامة النهاية أضفى على سيرته هالة من الشجن الأبدي وجعل كل استماع لأغانيه بعد ذلك محملا بمرارة الفقد رحل عبد اللطيف التلباني وهو في الثالثة والخمسين من عمره وهي سن النضج الفني الكامل كان لديه الكثير ليقدمه خاصة في مجال الإنتاج التلفزيوني والمسرحي ما جعل مشروعه مبتورا لم تكتمل فصوله ولعل الاستماع الواعي إلى منجز التلباني الغنائي والتلحيني يمثل إعادة اكتشاف لأحد أهم رموز الأغنية الخفيفة في عصر الإذاعة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح