أحمد عبد اللطيف أصل الأنواع ورطة الإنسان في مختبر الحداثة القسري

85 مشاهدة
في رواية أصل الأنواع منشورات حياة 2026 للكاتب والمترجم المصري أحمد عبد اللطيف والواصلة إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية يجد القارئ نفسه أمام عمل لا يذهب إلى مساءلة فكرة الأصل ذاتها باعتبارها فكرة لم تعد قابلة للثبات في عالم تتكاثر فيه التحولات إلى حد يهدد بإلغاء أي مرجعية مستقرة بحيث يغدو السؤال عن البداية متشابكا مع سؤال النهاية كأنهما ينتميان إلى لحظة واحدة ممتدة لا تنفصل تختار الرواية البدء من شكل يبدو للوهلة الأولى طقسيا إذ تستعير بنية زمنية تتجاور فيها تسميات مثل أحد الزعف واثنين البصخة وثلاثاء البصخة وهي تسميات تحيل إلى تقويم ديني معروف غير أن حضورها هنا لا يؤدي وظيفة استعادة المعنى الروحي بقدر ما يعيد توظيفه داخل سياق سردي يجعل من البصخة اسم آرامي يعني العبور جوهرا للحكاية إذ تصبح هذه الأيام علامات على انتقال الشخصيات من حالة إلى أخرى ومن هيئة إلى أخرى ومن إدراك إلى إدراك في حركة مستمرة لا تستقر عند نقطة نهائية nbsp مشهد كافكاوي يغيب فيه الذنب ويحضر العقاب الجسدي ومع تقدم الفصول يلاحظ أن ترتيب المشاهد وفق الأبجدية يمنح النص انطباعا بوجود نظام يحاول الإمساك بهذا العالم المتحول كأن اللغة تسعى إلى تثبيت ما ينفلت غير أن هذا الترتيب لا يصمد طويلا إذ يتخلى السرد عنه في خميس العهد لصالح ترقيم عددي يشي بانهيار قدرة الكلمات على تسمية الأشياء وبأن اللغة نفسها بدأت تفقد تماسها مع الواقع لتتحول إلى إشارات مختزلة توازي حالة الشخصيات التي تفقد أجزاء من أجسادها وتكتفي بما يتبقى منها الأبجدية المفقودة في هذا الانتقال من الحروف إلى الأرقام يمكن قراءة مسار مواز لتحولات الجسد إذ لا يقتصر الفقد على الأعضاء المادية وإنما يمتد إلى المفردات التي كانت تمنح التجربة الإنسانية معناها فيغدو اختفاء كلمات مثل الحب والخوف والأمل جزءا من عملية أوسع يجرد فيها الإنسان من أدوات الفهم والتعبير لديه وهو ما ينعكس على السرد ذاته الذي يتخلى عن الفواصل والبدايات الواضحة للفقرات ليصبح نصا متصلا لا يعرف حدودا فاصلة بين مقاطعه هذا التماهي بين الشكل والمضمون يصل إلى ذروته في الفصول التي يتسارع فيها الترقيم من العشرة إلى الخمسين ثم إلى المئة وما بعدها إذ يبدو الزمن كأنه ينزلق بسرعة لا يمكن السيطرة عليها في حين يتكرر حدث الموت بأشكال مختلفة إذ يشنق رام في موضع ثم يظهر مصلوبا في موضع آخر في ازدواجية تفتح الباب أمام تأويل يرى الموت تجربة قابلة لإعادة الإنتاج أو مشهدا يعاد تمثيله داخل سياق متحول لا يعترف بالنهايات الحاسمة ليس بعيدا عن كافكا تغادر رواية أحمد عبد اللطيف حيز الحكاية لترسو في فضاء الأنطولوجيا إذ لا يعود الصراع بين القديم والجديد مجرد نزاع معماري بل يستحيل إلى عملية إعادة صياغة بيولوجية للكائن الإنساني في هذا المختبر السردي يتشظى مفهوم الأصل ليفسح المجال لسيادة المسخ بوصفه التجلي النهائي للحداثة القسرية هنا يبدو رام وريثا شرعيا لـغريغور سامسا لكن بتبديل جذري في وجهة الانمساخ فبينما استحال سامسا إلى حشرة كفعل احتجاج لا واع ضد تسليع الإنسان ينمسخ رام إلى كائن أملس كفعل امتثال تام لمنطق الماكينة التي ترفض النتوءات ويمثل رام في المتخيل الروائي تجسيدا للمهندس بوصفه أداة للسلطة في إعادة رسم جغرافيا الذاكرة إن تكليفه بتطوير المدينة عبر هدم المقابر فعل عمراني في ظاهره لكنه محو منظم للذاكرة الجمعية يعيش رام حالة فصام فهو يتبنى أيديولوجيا التطور التي ترى في الجسد بشعره وأصابعه ورغباته بقايا رثة يجب تهذيبها تقنيا بينما يسقط في رهاب ميتافيزيقي أمام أشباح الموتى التي ترفض الرحيل هذا التناقض يتبدى في صراع بين عقله الذي يخطط للمدينة ككتلة صماء وبين الذاكرة العاطفية المرتبطة بقبر نيفين إن تحول جسد رام ليصبح أملسا هو القمع النظري وقد استحال إلى واقع بيولوجي إنه عقاب الذات لذاتها حين تشرع في محو أثر الآخرين فيغدو الجسد هنا مساحة تمارس عليها السلطة مشروعها التحديثي فيتحول من ذات شاعرة إلى مادة سائلة تفقد قالبها القديم من دون أن تستقر في جديد إن مسخ عبد اللطيف يعد هبوطا شاقا في عالم يفرض تنميطا جديدا عبر البتر بما يمثله من قطع أواصر الهوية والانتماء إذ تفقد الشخصيات أجزاءها لتلائم مقاسات واقع جديد في مشهد كافكاوي يغيب فيه الذنب ويحضر العقاب الجسدي كقدر تقني لا مفر منه ضريبة الاندماج في قالب المدينة لا يتحرك الانمساخ في الرواية بوصفه حدثا فانتازيا معزولا إذ يتشكل نسق كلي يطاول الهامش الاجتماعي في شخصية بتشان نلمس تحول اللص إلى مخبر ضمن مقايضة الولاء مقابل الحماية هذا الانتقال الطبقي يقابله بتر عضوي فالسلطة التي تمنحه الحماية هي ذاتها التي تلتهم أصابعه وحيوية شعوره بالسعادة البيولوجية إن بتر الأعضاء هنا ضريبة الاندماج في النظام الجديد فالإنسان لكي يكون نافعا داخل الماكينة السلطوية عليه أن يتخلى عن أجزاء تعتبرها السلطة رفاهية فائضة أما يحيى الحافي فيقدم استجابة مغايرة عبر تحويل الفقد إلى حافز يحثه على التعويض بعد أن أورثته أمه شعورا بأن الحياة مدينة لهما باعتذار يمثل تحويله لعملية البتر إلى استثمار تجاري الأطراف الصناعية الذروة السريالية للتكيف مع الهزيمة إنه تسليع العجز بحيث يصبح العطب الجسدي محركا اقتصاديا هنا يفكك عبد اللطيف أسطورة التجاوز ليؤكد أن التكيف ليس إلا شكلا من أشكال الاستسلام إذ يعيش الكائن بأجزاء مستعارة في عالم لم يعد يعترف بالاكتمال هل نحتاج إلى فاتن في دور المؤرخ الوجداني وسط هذا الخراب قد تكون الوحيدة التي تحاول ممارسة الاستعادة عبر رغبة في التدوين ومقاومة المحو رغم أن وعيها يرصد المشهد دون يقين ويدرك أن الحكاية هي الأصل الوحيد الذي يتشعب إلى فروع ممسوخة nbsp ناقدة ومترجمة مصرية

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح