يعكس تزامن تشديد الكويت إجراءات مكافحة غسل الأموال مع إدراجها في فبراير شباط المنصرم على قائمة المتابعة الرمادية لـمجموعة العمل المالي فاتف تحولا في طريقة تعاطي الدولة مع المخاطر التي تهدد مركزها المالي وقدرتها على جذب الاستثمارات خصوصا في ظل تصاعد التوتر الجيوسياسي باستمرار الحرب بين إيران وتحالف الولايات المتحدة وإسرائيل لأكثر من شهر إذ وجدت الكويت نفسها مطالبة بضبط حركة الأموال عبر البنوك وشركات الصرافة وقطاع العقار بشكل أدق تحت أعين مؤسسات دولية تراقب التزامها المعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب خصوصا بين المقيمين في الدولة الخليجية في لحظة إقليمية تتزايد فيها حساسية الأسواق لأي شبهة مخاطر تنظيمية أو رقابية فالحرب ترفع تدريجيا علاوة المخاطر الجيوسياسية على التمويل والتحويلات والتجارة في الخليج ما يزيد من ضغط البنوك المراسلة والمؤسسات الدولية على الكويت لتسريع تطبيق الإصلاحات وتقليص ثغرات الامتثال خشية إدراجها ضمن الدول المرتبطة بمخاطر مرتفعة في حركة الأموال وفق تحليل للمركز الآسيوي للدراسات الاقتصادية AGSI المنشور في 25 مارس آذار الفائت وفي هذا الإطار يلفت رئيس الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية رجب يورولماز لـالعربي الجديد إلى أن تحرك الكويت نحو تشديد إجراءات مكافحة غسل الأموال يأتي استجابة لتقاطع ضغوط خارجية وطموحات استراتيجية داخلية خصوصا بعد أن وضعها فريق فاتف تحت المراقبة المعززة ما تطلب التزاما سياسيا رفيع المستوى بالإصلاح عقب تقييم متبادل في أكتوبر تشرين الأول 2024 كشف عن فجوة بين وجود التشريعات وفعالية التطبيق ويوضح يورولماز ذلك بالإشارة إلى استجابة الحكومة الكويتية السريعة عبر المرسوم رقم 76 2025 الذي خول مجلس الوزراء تجميد الأصول وإدراج الكيانات المشتبه فيها وربط الامتثال بتجديد التراخيص التجارية عبر إلزام الشركات بتعيين مسؤول امتثال معتمد لافتا إلى أن تطورات كهذه تخلق توترا حقيقيا في سوق تحويلات العمالة الوافدة التي تشكل أكثر من 70 من السكان حيث تنقل تكاليف الامتثال للمستخدمين لترتفع رسوم التحويل إلى دول مثل باكستان إلى مستويات قياسية بينما تؤدي الأنماط المعقدة للمعاملات إلى إبطاء التحويلات المشروعة ودفع بعضها نحو القنوات غير الرسمية ويرى يورولماز أن القطاع العقاري الذي كان ملاذا لرؤوس الأموال غير المشروعة بسبب ضعف الرقابة سابقا يشهد الآن انخفاضا أوليا في أحجام التداول والضغوط السعرية قبل أن يؤدي تطهير السوق من الأموال المغسولة إلى استقرار التقييمات لمصلحة المشترين الحقيقيين من المواطنين على المدى الطويل وتظهر بيانات مراقبة الأسواق في الخليج أن تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع التكاليف الناتجة من الحرب في إيران خففا من الضغوط التضخمية على قطاع العقار لكنهما في المقابل زادا من أهمية تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال إذ يحذر مركز أبحاث الاقتصاد الآسيوي AGSI في تقريره من أن الانخفاض المفاجئ في الطلب أو الارتفاع في أسعار المواد قد يفتح الباب لاستغلالات مالية وتجارية غير شفافة وتوفر قوانين مكافحة غسل الأموال حماية ذات حدود هيكلية لمدخرات المواطنين إذ يتمثل دورها الأبرز بحماية البنوك الكويتية من عقوبات المراسلة المصرفية الدولية التي قد تعزل المودعين عن النظام المالي العالمي إضافة إلى قدرة أنظمة الرصد على كشف أنماط الاحتيال المباشر غير أن يورولماز يحذر من أن هذه القوانين لا تستطيع حماية المدخرات من مخاطر التضخم أو تقلبات السلع أو سوء إدارة الثروة السيادية أو الفساد المحلي مؤكدا أنها مجرد طبقة دفاعية ضرورية وليست ضمانا شاملا للادخار وفي ضوء الحرب في إيران يشير محللون بأسواق المال إلى أن تقلبات أسعار النفط والسلع الأساسية من شأنها أن تساهم في تفاقم التضخم وتقلص القيمة الحقيقية للادخار ما يجعل الاعتماد على إصلاحات الامتثال النقدي وحدها غير كاف وفق تحليل نشره منتدى تريودوس للأسواق المالية في 24 مارس الماضي ولذا يؤكد يورولماز أن بنك الكويت المركزي يظل الركيزة المؤسسية الأكثر قدرة في هندسة الإشراف على مكافحة غسل الأموال حيث أصدر تعميمين ملزمين في 2023 لتغطية تقييم المخاطر والضوابط الداخلية وفرض في 2024 تدقيقا خارجيا نصف سنوي على شركات الصرافة بالتوازي مع خفض أسعار الفائدة لدعم النمو غير النفطي في خطوة تعكس توازنا دقيقا بين الصرامة الاحترازية والمسؤولية الاقتصادية الكلية مشيرا في الوقت ذاته إلى أن قطاع التأمين لا يزال نقطة عمياء إشرافية تستغلها جهات فاعلة مالية متطورة ما يجعل مصداقية البنك المركزي على المدى البعيد مرهونة باستقلالية وثبات تطبيق هذه التوجيهات وليس بجودة صياغتها فقط وفي أجواء الحرب يبرز دور البنك المركزي إحدى الأدوات الأساسية لحماية الاقتصاد الكويتي من مخاطر التمويل والتأمين حيث يشير تحليل نشره مركز كارنيغي في الثاني من مارس إلى أن تزايد الهجمات على البنية التحتية والبنوك في الخليج يزيد من أهمية تعزيز قدرات البنوك المركزية على إدارة السيولة والمخاطر بما في ذلك إحكام الرقابة على قطاعات التأمين والتحويلات ويرتبط الاتجاه الكويتي نحو التشديد بقرار فاتف خلال اجتماعها في فبراير شباط الماضي بإضافة الكويت إلى قائمة الدول الخاضعة للرقابة المعززة بسبب ما اعتبرتها ثغرات استراتيجية في فعالية منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رغم التقدم التشريعي الذي تحقق منذ اعتماد تقرير التقييم المتبادل في 2024 وهو ما يعني زيادة التدقيق الدولي على تعاملات النظام المالي الكويتي وارتفاع كلفة المخاطر على البنوك والمؤسسات العابرة للحدود وفق قراءة نشرها موقع AML Watcher المعني بقضايا الامتثال ومخاطر الجرائم المالية في 18 فبراير الماضي وتسهم حرب إيران في تعميق هذا التدقيق إذ تشير دراسات مالية إلى أن تضييق الخليج وتهديد البنية النفطية والتجارية يزيدان من تدفق رؤوس الأموال المشبوهة عبر قنوات غير واضحة أو تداولات عقارية معقدة ما يرفع الضغط على الكويت لـتغطية شبكة الاشتراطات بشكل أسرع وأكثر شفافية وفق تحليل منتدى أبحاث المؤسسات المالية تريودوس TRIODOS Investment Management حول تداعيات الحرب على أسواق المال في 24 مارس فعلى مستوى تحويلات العمالة الوافدة تبرز الضغوط في قطاعات شركات الصرافة وتحويل الأموال إذ تشير تقارير الامتثال إلى أن الكويت تعد سوقا كثيفة للتحويلات اليومية إلى دول مصنفة عالية المخاطر ما يجعل هذا القطاع هدفا رئيسيا للتشديد من خلال أنظمة مراقبة المعاملات وتدابير اعرف عميلك ورصد العمليات المتكررة الصغيرة أو غير المتناسبة مع الدخل بما في ذلك التحويلات دون حدود المبالغ التقليدية وهو ما يفرض على العمال وأصحاب الأعمال قبول تحقق أكثر تفصيلا من مصادر الأموال وأغراض التحويل استنادا إلى عرض لبيئة الامتثال الكويتي نشرته منصة GetFocal المختصة بحلول مراقبة المعاملات ومخاطر غسل الأموال في 19 أغسطس آب الماضي وفي هذا السياق تورد دراسة نشرها مركز أبحاث الاقتصاد الآسيوي في 24 مارس الماضي أن الحرب في إيران تهدد تحويلات العمالة من الخليج إلى جنوب آسيا إذا استمرت لفترة أطول وأن تراجع النمو في دول الخليج وارتفاع كلفة التأمين على التحويلات قد يقلص التدفقات الإجمالية بنسبة 5 30 مع تفاقم النزاع ما يزيد من أهمية ضبط سوق الصرافة لتفادي انتقال المخاطر المالية إلى العاملين والمستفيدين في الخارج أما في سوق العقار حيث تلجأ شبكات غسل الأموال تاريخيا إلى توظيف الأموال في صفقات مرتفعة القيمة أو معقدة الهيكل فإن تشديد الكويت لتعريفات المستفيد الحقيقي ومطالبة الوسطاء العقاريين وشركات التطوير بتوثيق مصادر الأموال والصفقات النقدية يحد نظريا من دخول الأموال المشبوهة التي تدفع الأسعار إلى مستويات غير مرتبطة بالطلب الحقيقي ويساهم في جعل حركة الأسعار أكثر ارتباطا بقدرة الطلب المحلي الفعلية وهو ما يعني على المدى المتوسط حماية أكبر لمدخرات الأسر المستثمرة في السكن أو العقار الاستثماري من الفقاعات المرتبطة بالأموال غير المشروعة وفق تحليل قانوني للتطورات الأخيرة في المنظومة الكويتية لمكافحة غسل الأموال نشرته منصة وفاق المتخصصة في الاستشارات القانونية والمالية في 24 نوفمبر تشرين الثاني الماضي وفي ظل الحرب يحذر محللون من أن تراجع حركة المشاريع والتجارة والنقل في الخليج يزيد من جاذبية العقار بكونه ملاذا استثماريا آمنا نسبيا ما يرفع خطر استغلال القطاع لتبييض الأموال خصوصا عبر مشترين غير مباشرين أو عبر شركات وهمية ما يدفع الكويت إلى فرض تدقيق أكثر تشددا على مصادر التمويل والمستفيدين الحقيقيين كما أشار تقرير لمركز أبحاث الاقتصاد الآسيوي AGSI في 25 مارس الماضي غير أن حماية مدخرات الكويتيين لا تأتي فقط من إبعاد الأموال المشبوهة عن السوق بل من تقليل احتمالات تعرض البنوك وشركات الاستثمار لعقوبات أو إجراءات مقاطعة دولية تهدد سلامة الودائع والأصول إذ يلفت تقرير AML Watcher إلى أن إدراج دولة على القائمة الرمادية يرفع تلقائيا درجة الحذر لدى البنوك المراسلة العالمية ويزيد تكلفة الاقتراض والتمويل ما ينعكس في نهاية المطاف على المقترضين والأسر بينما يمكن لالتزام جدي بخطة العمل المتفق عليها مع فاتف أن يعيد تصنيف المخاطر إلى مستويات مقبولة ويحمي الاستقرار المالي المحلي وهو ما ينعكس مباشرة على أمان المدخرات في النظام المصرفي