سام برس فقه الكهف استراتيجية الثبات وصناعة اليقين في زمن المتغيرات

بقلم/ العميد /د حسن حسين الرصابي
(رؤية إيمانية في صناعة الحرية والانتصار للنفس والمبدأ)
مقدمة وجدانية: ملاذ الأرواح وحقيقة الفرار
لم يكن الفتيةُ أصحابَ الكهف هاربين من دنياهم، بل كانوا ناجين بإيمانهم. لم يتركوا القصور ليركنوا إلى جحرٍ مظلم، بل هجروا الزيف ليعانقوا الحقيقة، وتركوا الضجيج ليسمعوا نداء الله في خلوتهم. هربوا لا خوفاً من الموت، بل طلباً للحرية؛ تلك الحرية التي لا يمنحها سلطانٌ أرضي، بل يمنحها اليقين السماوي.
آووا إلى الكهف، فأواهم الله برحمته. ضاقت بهم الأرض بما رحبت من كفر وطغيان، فوسّعها عليهم ربّ السماوات بمدد من عنده. ناموا على التراب، لكن أرواحهم كانت تحلق حول العرش، ليعلمنا التاريخ أن الانكسار لله هو عين الشموخ، وأن العزلة في سبيل الحق هي ذروة الاتصال.
المحور الأول: الكهف كمنطلق للتحرر لا للهروب
في العمل التوجيهي والإرشادي، يجب أن نرسخ مفهوماً جوهرياً: الاعتزال الذي مارسه أصحاب الكهف لم يكن سلبيةً أو انسحاباً من المسؤولية، بل كان مرحلة إعادة ترتيب الأولويات وحماية البذرة الإيمانية من الاجتثاث.
* الحرية الحقيقية: هي الانعتاق من ضغوط المجتمع الضال أو سطوة الإيديولوجيات الجائرة. حين يوقن الإنسان أن ربه هو الرزاق ذو القوة المتين، تسقط من عينه تهديدات الجبابرة ووعيد المستكبرين.
* الاستدلال القرآني: يقول الله تعالى حكاية عنهم: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا}(الكهف: 16). هذا المرفق هو التيسير الإلهي الذي يصاحب المؤمن الصادق في أحلك الظروف.
المحور الثاني: الكهف رحمٌ للأرواح لا صخرٌ يبتلعها
لم يكن الكهف صخراً أصم يبتلع أجسادهم، بل كان رحماً طاهراً يحتضن أرواحهم، ويعصمها من فتنةٍ لا يقدر على مواجهتها إلا من ثبّته الله.
* بناء القوة في السكون: في خلوة الكهف، صار الصمت ذكراً، والوحدة صفاءً. يحتاج كادر التوجيه المعنوي اليوم إلى غرس ثقافة الخلوة الإيمانية والرقابة الذاتية وسط ضجيج التكنولوجيا وصخب الصراعات الفكرية التي تستهدف الهوية.
* الأمن النفسي ضد الغطرسة: حين استودع الفتية
ارسال الخبر الى: