القلق المعرفي بين اليقين والحكم المسبق
يعيش الإنسان حالة دائمة من التوتر المعرفي ناتجة من سعيه المستمر إلى فهم العالم وإضفاء معنى على تجربته. فالعقل البشري، بطبيعته، لا يكتفي بالمعرفة السطحية، لكنه في الوقت ذاته يعي محدودية إدراكه، ما يولّد شعوراً بالقلق لا يمكن اختزاله في كونه اضطراباً نفسياً، بل هو حالة معرفية عميقة ترتبط بجوهر التفكير الفلسفي. فالفلاسفة، منذ البدايات، لم ينطلقوا من اليقين، بل من الدهشة والقلق إزاء ما يبدو بديهياً.
وفي خضم هذا السعي إلى الفهم، يفرض سؤال جوهري نفسه: كيف يمكن للعقل أن يطلب اليقين الضروري للحياة والفهم دون أن يقوده ذلك إلى الحكمية المسبقة التي تمثل تخليه عن مسؤوليته النقدية؟ وهل يُنظر إلى القلق المعرفي بوصفه عائقاً ينبغي تجاوزه، أم شرطاً ضرورياً لاستمرار العقل في ممارسة الفحص والتساؤل؟
إن الإنسان لا يقلق لأنه يجهل فحسب، بل لأنه يدرك أن المعرفة غير مكتملة، وأن اليقين المطلق غالباً وهم. من هنا، يغدو القلق المعرفي علامة على وعي العقل ودافعاً إلى ممارسة النقد الداخلي ومساءلة المعتقدات. ففي اللحظة التي يحاول فيها العقل الهروب من هذا القلق عبر الاستسلام ليقين جاهز، يتحول إلى الحكمية المسبقة؛ أي إلى إصدار أحكام قبل دراسة المسألة وتحليلها، وهو ما يعني تخليه عن مسؤوليته الفلسفية.
الإنسان لا يقلق لأنه يجهل فحسب، بل لأنه يدرك أن المعرفة غير مكتملة، وأن اليقين المطلق غالباً وهم
تمثل الحكمية المسبقة انسحاباً معرفياً واضحاً؛ إذ يبدأ العقل بتأكيد ما يعرفه مسبقاً بدل البحث والتساؤل، ويستبدل الفهم الحقيقي بقوالب جاهزة تطمئن النفس أكثر مما توسّع الإدراك. هذا الانسحاب، كما تشير الفلسفة النقدية، يفقد العقل حيويته وقدرته على التعلم من التجربة، ويحوّل اليقين من أداة للفهم إلى وسيلة للهروب من تعقيد العالم.
لكن القلق المعرفي، على الرغم من شدته، ليس عيباً ولا عائقاً دائماً. على العكس، رأى فلاسفة مثل كانت وهايدغر وسارتر أن القلق ضروري للوعي، لأنه يذكّر الإنسان بحدوده ويفتح أمامه أفق التساؤل المستمر. فالعقل الذي يقبل القلق ويحتمله يظل قادراً على مراجعة ذاته ومساءلة أحكامه،
ارسال الخبر الى: