القضية الجنوبية ثبات الفكرة وتحولات الأدوات كتب نجيب الكلدي

ليست القضية الجنوبية حدثاً عابراً يُقاس بعمر كيان سياسي، ولا رهينة اسمٍ أو قيادةٍ بعينها، بل فكرة متجذّرة في الوعي الجمعي، تشكّلت عبر عقود من التراكم السياسي والاجتماعي، ولهذا فإن الرهان على إسقاطها بحل مجلس أو تغيير قائد ليس سوى سوء فهم لطبيعة القضايا العادلة. فالقضايا لا تموت، بينما الكيانات والأشخاص، بحكم الواقع، مراحل وأدوات في مسار أطول.
ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري إعادة تصحيح المسار وضبط البوصلة في لحظة تتكاثر فيها الخطابات المتشنجة، ويعلو فيها صوت الشقاق على حساب الحكمة.. إن أخطر ما قد يواجه القضية الجنوبية اليوم ليس قراراً سياسياً بعينه، بل خطابٌ داخليٌ يُعيد إنتاج الانقسام، ويحوّل الخلاف في الوسائل إلى خصومة في الجوهر، ويستنزف الرصيد المعنوي للقضية بدلًا من تحصينه.
الجنوب ليس ملكاً لفئة، ولا حكراً على منطقة، ولا امتيازاً سياسياً يُمنح أو يُسحب.. فالجنوب لكل أبنائه، والشراكة بين مكوّناته ليست شعاراً أخلاقياً يُرفع عند الحاجة، بل شرطاً موضوعياً للاستقرار.. وكل خطاب يُغذّي الفرز المناطقي أو السياسي إنما يخدم، بوعي أو بدونه، مشاريع إضعاف القضية لا حمايتها.
في هذا السياق، لا يمكن القفز على موقف القائد عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة) وتعاطيه الإيجابي والمسؤول مع دعوة الأشقاء في المملكة العربية السعودية.. فذهابه إلى الرياض لم يكن خطوة شكلية، ولا تراجعاً عن ثوابت، بل استجابة واعية عكست إدراكاً عميقاً لحساسية اللحظة، وتغليباً للمصلحة العليا للقضية الجنوبية على حساب ردود الفعل الآنية.
وفي الإطار ذاته، يأتي ذهاب وفد المجلس الانتقالي الجنوبي المُنحل وتأكيده على المشاركة الفاعلة في المؤتمر القادم، بوصفه جزءاً من المشهد العام الذي يشير إلى إدراك متزايد بأن إدارة الخلافات سياسياً، مهما كانت التعقيدات، تبقى أقل كلفة من تركها رهينة للتصعيد والانفعال.
وفي السياق نفسه، تجدر الإشارة إلى أن دعوة المملكة العربية السعودية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي جاءت استجابة لمطالب صريحة تقدّمت بها مكوّنات وقوى جنوبية فاعلة تقع خارج إطار المجلس الانتقالي، رأت في الحوار الشامل مدخلاً ضرورياً لمعالجة الاختلالات، وتوسيع قاعدة الشراكة، وكسر
ارسال الخبر الى: