القصة ليست وصفة طبخ نقد كاتب يتعلم السرد من القواعد

25 مشاهدة
yemenat يمنات زكريا نمر المشكلة في كثير من الكتاب المبتدئين أنهم يريدون كتابة القصة قبل أن يتعلموا كيف يرون العالم يحفظون الفكرة الشخصيات الزمان المكان الصراع الحبكة العقدة النهاية ثم يجلسون أمام الورقة منتظرين أن تتحول هذه المصطلحات إلى أدب لكن الأدب لا يعمل بهذه الطريقة يمكنك أن تحفظ كل كتب تعليم الكتابة وتعرف الفرق بين الراوي العليم وضمير المتكلم وتفهم البناء الدرامي وتعرف أين تضع العقدة والذروة ثم تكتب قصة باردة لا يشعر القارئ تجاهها بشيء وهنا تكمن مشكلة بعض مدارس تعليم الكتابة تحويل الفن إلى مجموعة تعليمات كأن القصة قطعة أثاث تحتاج إلى تركيب وفق دليل الاستخدام ضع الفكرة هنا الشخصية هناك اصنع صراعا أضف حوارا ثم اختم بنهاية مؤثرة والنتيجة في كثير من الأحيان نصوص تشبه بعضها لأن الجميع تعلموا الطريقة نفسها ونسوا أن الأدب يبدأ من الاختلاف القصة ليست تمرينا مدرسيا الكاتب الحقيقي لا يبدأ دائما من فكرة واضحة قد يبدأ من صورة أو خوف أو جملة سمعها في الشارع أو شخص لم يستطع أن ينساه أو سؤال ظل يطارده سنوات وأحيانا لا يعرف الكاتب نفسه إلى أين ستذهب الشخصية إلا بعد أن يبدأ الكتابة هذا لا يعني الفوضى وإنما يعني أن الكتابة الإبداعية لا يمكن اختزالها في مخطط هندسي ثابت الفكرة ليست مقدسة هناك اعتقاد شائع بين المبتدئين بأن عليهم العثور على فكرة عظيمة قبل أن يكتبوا لا توجد فكرة عظيمة في حد ذاتها يمكن أن تكون قصة عن رجل ينتظر حافلة أكثر عمقا من قصة عن حرب كاملة إذا كان الكاتب يعرف ماذا يريد أن يكشف من خلال ذلك الانتظار ويمكن أن تكون قصة عن أم تعد الطعام كل مساء أكثر إنسانية من قصة مليئة بالقتل والهروب والانفجارات الكاتب الضعيف يبحث عن حدث كبير لأنه يعتقد أن ضخامة الحدث تصنع أهمية النص لكن الأدب لا يقاس بحجم الحدث وإنما بعمق النظر إليه الشخصية ليست بطاقة تعريف من أكثر الأخطاء انتشارا أن يقدم الكاتب شخصيته كما يقدم موظفا في استمارة اسمه فلان عمره كذا يعمل كذا يسكن في كذا طويل أسمر متزوج وله طفلان ثم يعتقد أنه صنع شخصية لم تصنع شخصية بعد الشخصية تظهر عندما نعرف ماذا تفعل تحت الضغط ماذا تخفي ماذا تخاف وما الذي تستطيع أن تفعله كي تحصل على ما تريد الشخصية الأدبية ليست مجموعة معلومات إنها تناقضات قد يكون الرجل شجاعا أمام الناس وجبانا أمام امرأة واحدة وقد تكون المرأة قوية في الشارع لكنها تنهار أمام ذكرى قديمة وقد يبدو الشخص صالحا بينما يخفي فعلا لا يستطيع الاعتراف به هذه المناطق الرمادية هي التي تجعل الشخصية إنسانا لا الوصف الخارجي الطويل الكاتب الذي يشرح كل شيء لا يثق بقارئه هناك نصوص لا تترك للقارئ أي فرصة للتفكير الشخصية حزينة ثم يخبرنا الكاتب أنها حزينة خائفة فيقول إنها خائفة غاضبة فيشرح غضبها تحب فيخبرنا أنها تحب ماذا بقي للقارئ لماذا يحتاج القارئ إلى قراءة قصة إذا كان الكاتب سيشرح له كل شيء السرد الجيد لا يعني إخفاء المعلومات دائما لكنه يعرف متى يقدمها ومتى يترك المشهد يتحدث نظرة شخصية حركة يد صمت مفاجئ باب مغلق رسالة لم تصل أحيانا تستطيع هذه التفاصيل أن تقول أكثر من فقرة كاملة من الشرح الكاتب الذي لا يعرف كيف يستخدم المشهد يتحول إلى موظف يشرح للقارئ ما حدث الحوار ليس مسرحية معلومات وهناك مرض آخر في الكتابة المبتدئة حوار لا يتحدث فيه الناس بل يتحدث الكاتب من خلالهم شخصيتان تجلسان وتبدآن في شرح تاريخ المدينة والحرب والعائلة والمشكلة السياسية وكأنهما لم تعيشا هذه الأشياء أصلا هذا ليس حوارا هذا تقرير صحفي متنكر في هيئة محادثة الناس لا يتحدثون بهذه الطريقة الحوار الجيد يكشف العلاقة بين الشخصيات بقدر ما يكشف المعلومات ما لا تقوله الشخصية قد يكون أهم مما تقوله التردد المقاطعة التهرب الكذب الصمت تغيير الموضوع كلها جزء من الحوار الحبكة ليست سلسلة من الحوادث بعض الكتاب يعتقدون أن القصة تصبح قوية كلما كثرت أحداثها فتبدأ الشخصية بالسفر ثم تقع حادثة ثم تظهر شخصية جديدة ثم تحدث مشكلة ثم تأتي مشكلة أكبر ثم موت ثم هروب ثم مفاجأة ثم نهاية لكن ماذا عن المعنى الأحداث وحدها لا تصنع قصة العلاقة بين الأحداث والشخصية هي التي تصنع السرد إذا حدث شيء ولم يغير الشخصية أو علاقتها بالعالم فما ضرورته الكاتب الجيد لا يسأل فقط ماذا سيحدث بعد ذلك بل يسأل ماذا سيفعل هذا الحدث بالإنسان الذي أكتب عنه وهذا سؤال أكثر أهمية من البحث المستمر عن المفاجآت النهاية الصادمة ليست دليلا على الذكاء من أكثر الحيل التي يلجأ إليها المبتدئون البحث عن نهاية صادمة يكتب الكاتب القصة بطريقة ثم في الصفحات الأخيرة يكشف أن كل شيء كان حلما أو أن الشخصية ماتت أو أن الشخص الذي ظنناه بريئا كان المجرم المشكلة ليست في هذه النهايات وإنما في استخدامها كحيلة بدلا من كونها نتيجة فنية المفاجأة لا تعني العمق النهاية القوية هي التي تجعل القارئ يعود إلى الأحداث السابقة فيرى معناها بطريقة مختلفة لا التي تجعله يقول فقط لم أتوقع ذلك هناك فرق بين أن تفاجئ القارئ وأن تجعله يعيد التفكير في القصة اللغة ليست مسابقة بلاغة بعض الكتاب المبتدئين يعتقدون أن الأدب يبدأ عندما تصبح الجملة طويلة وممتلئة بالاستعارات كل شيء يصبح كالقمر وكالنهر وكالليل وكالروح حتى تفقد الصور معناها من كثرتها اللغة الأدبية ليست استعراضا لغويا الجملة الجيدة ليست التي تجعل القارئ يتوقف ليعجب ببلاغتها بل التي تجعله يستمر في القراءة دون أن يشعر بثقلها يمكن للكاتب أن يكتب جملة بسيطة وتظل في ذاكرة القارئ سنوات ويمكنه أن يكتب صفحة كاملة من اللغة المزخرفة ولا يبقى منها شيء الأسلوب ليس كمية الزينة الموجودة في النص الأسلوب هو الطريقة التي ترى بها العالم المشكلة ليست دائما في الكاتب بل في طريقة تعليمه حين تعلم المدارس والورش الكتابة على أساس قائمة ثابتة من العناصر فإنها تخاطر بإنتاج كتاب يعرفون أسماء الأدوات أكثر مما يعرفون استخدامها يتعلم الطالب ما هي الحبكة لكنه لا يتعلم كيف يكتشف إيقاعها يتعلم بناء الشخصية لكنه لا يتعلم كيف يصنع شخصية متناقضة يتعلم وجهة النظر لكنه لا يتعلم لماذا يختار صوتا سرديا دون آخر يتعلم النهاية لكنه لا يتعلم متى يكون الصمت أقوى من الحل وهنا تصبح ورش الكتابة أحيانا مكانا لتعليم القوالب بدلا من تحرير المخيلة ليس المطلوب إلغاء القواعد وإنما وضعها في مكانها الصحيح القاعدة أداة وليست قانونا مقدسا يعرف الكاتب القاعدة حتى يستطيع كسرها عندما يحتاج النص إلى ذلك لا حتى يصبح أسيرا لها اقرأ الأدب قبل أن تتعلم كيف تكتب الأدب المبتدئ الذي يقرأ عشرة كتب عن كيف تصبح كاتبا ولا يقرأ عشرات القصص والروايات يشبه شخصا يريد تعلم الموسيقى من كتب عن الموسيقى دون أن يستمع إلى الموسيقى اقرأ القصة بوصفك قارئا ثم اقرأها مرة أخرى بوصفك كاتبا اسأل لماذا بدأ الكاتب من هذه اللحظة لماذا حذف هذه المعلومة لماذا اختار هذا الراوي لماذا ترك هذه الشخصية صامتة لماذا جاءت الجملة بهذه السرعة لماذا طال هذا المشهد ولماذا انتهى النص هنا هذه الأسئلة تعلم الكاتب أكثر من كثير من القواعد الجاهزة والأهم أن يقرأ الكاتب أعمالا مختلفة لا أن يكرر النموذج نفسه حتى تصبح لغته نسخة من معلمه الكاتب لا يحتاج إلى مزيد من القواعد بقدر حاجته إلى عين مختلفة لا توجد وصفة تجعل الإنسان كاتبا يمكن تعليم تقنيات السرد ويمكن دراسة البناء والحوار والشخصيات والإيقاع ووجهات النظر لكن لا يمكن تدريس التجربة الإنسانية بالطريقة نفسها الكاتب يحتاج إلى أن يعيش ويراقب ويشك ويتذكر ويقرأ ويكتب ثم يمزق كثيرا مما كتب أكبر مشكلة عند الكاتب المبتدئ ليست أنه لا يعرف كيف يبدأ القصة بل أنه يعتقد أن كل ما كتبه يستحق أن يبقى الكتابة الحقيقية تبدأ بعد المسودة الأولى هناك تبدأ عملية القتل الضرورية حذف الجملة الزائدة المشهد الضعيف الحوار المصطنع الشخصية التي لا وظيفة لها الوصف الذي لا يضيف شيئا والنهاية التي تبدو كأنها جاءت لإنقاذ نص لم يعرف كيف ينتهي القصة الجيدة لا تحتاج إلى أن تقول كل شيء تحتاج إلى أن تعرف ما الذي يستحق أن يقال أما الكاتب الذي يظن أن الأدب هو جمع العناصر السبعة في نص واحد فسوف يكتب قصة مكتملة من الخارج وفارغة من الداخل yemenat

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع يمنات لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح