ما بعد القانون الدولي واشنطن وإسقاط الأنظمة بالقوة

48 مشاهدة
لا معنى لدى واشنطن للقوانين الدولية وسيادة الدول ولا أثر لما يقال عنها الأمم المتحدة ولا لمجلس أمنها حينما يتعلق الأمر بمصالح واشنطن غير المشروعة وإن كان التعدي الأمريكي بمستوى اعتقال رؤساء دول والزج بهم في زنازين الاعتقال هكذا بدا المشهد في العاصمة الفنزويلية كاركاس فجر الـ3 من يناير الجاري حينما أقدمت الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو في سابقة خطيرة تنسف كل القوانين والمعاهدات والاتفاقيات الدولية وتؤسس لعصر جديد يسوده قانون الغاب والقوة المفرطة ليصبح اللعب على المكشوف بعيدا عن عناوين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها التي طالما روج لها الأمريكان وسحقوا بها شعوبا وأسقطوا بها حكومات عدة التدخلات الأمريكية السافرة عبر التاريخ في أمريكا اللاتينية لا تأتي في إطار ردود الأفعال الظرفية وإنما ضمن النهج الثابت في السياسة الخارجية للولايات المتحدة المرتكز على منطق الهيمنة وادعاء حماية المصالح الاقتصادية والجيوسياسية ولو على حساب إرادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها فمنذ مطلع القرن العشرين تعاملت واشنطن مع دول القارة بوصفها مجالا حيويا لنفوذها مستندة إلى ذرائع متعددة كـ مكافحة الشيوعية و حماية الأمن القومي بينما كانت الأدوات المستخدمة تتراوح بين الاعتقال التعسفي والانقلابات العسكرية والحروب المباشرة وبالوكالة والضغوط الاقتصادية والعمليات الاستخباراتية السرية ويهدف هذا التقرير إلى تفكيك أبرز نماذج إسقاط الأنظمة في أمريكا اللاتينية سواء عبر التدخلات العسكرية المباشرة أو الأساليب غير المباشرة وقراءة تداعياتها السياسية والإنسانية بعيدة المدى على استقرار المنطقة ومسارها الديمقراطي غواتيمالا 1954 إسقاط حكومة إصلاحية بالقوةبعد فوزه في انتخابات ديمقراطية عام 1950 شرع الرئيس الغواتيمالي جاكوبو أربينز في تنفيذ حزمة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية أبرزها إصلاح الأراضي وهو ما اعتبرته واشنطن تهديدا مباشرا لمصالح الشركات الأمريكية وفي أغسطس 1953 أوكل مجلس تنسيق العمليات الأمريكي إلى وكالة الاستخبارات المركزية CIA مهمة الإطاحة بحكومة أربينز مبررا ذلك بادعاءات تتعلق بتهديد التضامن في نصف الكرة الغربي و الأمن القومي الأمريكي في منطقة الكاريبي ونفذت الولايات المتحدة حملة شاملة شملت عمليات شبه عسكرية والتدريب وتسليح جماعات متمردة وممارسة ضغوط دبلوماسية واقتصادية إضافة إلى شن حرب نفسية واسعة ودفع قيادات عسكرية وسياسية للانشقاق وبعد إسقاط أربينز عام 1954 تولى الحكم نظام عسكري ديكتاتوري بقيادة كارلوس كاستيلو أرماس لتنزلق البلاد لاحقا في حرب أهلية استمرت 36 عاما أودت بحياة أو اختفاء نحو 200 ألف شخص وسط انتهاكات جسيمة ومنهجية لحقوق الإنسان نيكاراغوا 1981 1990 حرب بالوكالة لإسقاط حكومة منتخبةفي أبريل 1981 أوقف الرئيس الأمريكي رونالد ريغان المساعدات الاقتصادية لنيكاراغوا متهما حكومة الساندينيين بدعم المتمردين في السلفادور ومعتبرا إياها تهديدا مباشرا لأمن أمريكا الوسطى والمصالح الأمريكية وبحسب وثائق وزارة الخارجية الأمريكية قدمت إدارة ريغان دعما واسعا لقوات الكونترا وهي جماعات مسلحة تمركزت في هندوراس وشنت هجمات متواصلة على الحكومة المنتخبة ديمقراطيا وشمل هذا الدعم التدريب والتسليح والتمويل إذ وافق الكونغرس عام 1983 على تخصيص 100 مليون دولار للكونترا استخدمت في أعمال تخريب واسعة من بينها تلغيم الموانئ وتدمير منشآت نفطية ورغم انكشاف تلك الممارسات واصل الكونغرس إقرار مساعدات إضافية بلغت 27 مليون دولار عام 1985 و100 مليون دولار عام 1986 خصص 70 منها لدعم عسكري واستمر الصراع قرابة عقد كامل مخلفا عشرات الآلاف من الضحايا وانهيارا اقتصاديا حادا وفي عام 1990 أجريت انتخابات تحت إشراف دولي أسفرت عن فوز فيوليتا تشامورو منهية حكم الساندينيين بنما 1989 الغزو العسكري المباشر القضية العادلة اسم لعملية عسكرية عدوانية أمريكية أطلقها الرئيس الأمريكي جورج بوش عام 1989م شارك فيها أكثر من 26 ألف جندي أمريكي وهدفت العملية إلى الإطاحة برئيس البلاد مانويل نورييغا والذي كان حليفا لواشنطن لسنوات قبل أن تتدهور العلاقات بسبب مزاعم الفساد وتهريب المخدرات إلى جانب الخلافات المتعلقة بأمن قناة بنما التي طالما تحاول واشنطن السيطرة عليها خلال العملية العدوانية تمكنت القوات الأمريكية الغازية من اعتقال الرئيس البنمي نورييغا ونقله إلى الولايات المتحدة و حكم عليه بالسجن 40 عاما فيما تولت الحكم في بنما حكومة موالية لواشنطن ضمنت حماية المصالح الأمريكية والسيطرة الفعلية على القناة من حيث اسم العملية والذرائع التي جعلت منها أمريكا سببا لغزو بنما تتضح الوقاحة الأمريكية وجرأتها في فبركة الحقائق واختلاق الأعذار لانتهاك سيادة البلدان وتدمير الحياة فيها والفتك بشعبها هايتي 2004 انقلاب بتنسيق دوليالتواطؤ من قبل الأمم المتحدة مع أمريكا لا يقتصر على الحاضر وإنما ظل ثابتا طوال التاريخ في فبراير 2004 دعمت الولايات المتحدة بالتعاون مع فرنسا وكندا انقلابا أطاح بالرئيس الهايتي المنتخب ديمقراطيا جان برتران أريستيد وأجبر على مغادرة البلاد مع عائلته دون أن يلقى صوتا مناصرا أو موقفا واضحا من مجلس الأمن ووفق تقارير لموقع غلوبال بوليسي بدأت إدارة جورج بوش الابن منذ عام 2001 العمل على إضعاف حكم أريستيد عبر تجميد المساعدات الإنسانية والمالية والمساهمة في زعزعة الاقتصاد الهايتي كما كشفت تقارير لاحقة عن دعم برامج تمويل أمريكية لجهات معارضة من بينها المعهد الجمهوري الدولي الذي ساعد في تنظيم احتجاجات ضد الرئيس وأكد أريستيد لاحقا أنه أقصي بانقلاب مدبر مشيرا إلى أن السفير الأمريكي في هايتي خدعه بحجة حمايته من انقلاب وشيك قبل أن ينقل قسرا على متن طائرة أمريكية إلى جمهورية أفريقيا الوسطى التدخلات الأمريكية غير المباشرةإلى جانب التدخلات العسكرية المباشرة انتهجت الولايات المتحدة سياسات غير معلنة أو غير مباشرة أسهمت بفاعلية في إسقاط حكومات عديدة في أمريكا اللاتينية اغتيال رئيس الدومينيكان 1961 تولى رافائيل ليونيداس تروخيلو حكم الدومينيكان عام 1930 واشتهر بديكتاتوريته وقمعه الشديد لكنه حظي بدعم أمريكي طويل بسبب عدائه للشيوعية ومع تصاعد الاضطرابات الداخلية رأت واشنطن أن بقاءه بات عبئا سياسيا ومصدرا يهدد مصالحها وفي عام 1960 وافق الرئيس الأمريكي أيزنهاور على تقديم دعم سري للمعارضة وفي عام 1961 أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أسلحة وذخائر لعناصر مناوئة لتروخيلو وساهمت في اغتياله ورغم نفي الوكالة رسميا أكدت تقارير متعددة تورطها في العملية وأعقب الاغتيال اضطراب سياسي طويل وتعاقب حكومات مؤقتة وهو الهدف الذي طالما تسعى واشنطن إلى تعميمه على كل المناوئين لها البرازيل 1964 انقلاب مدعوم لوجستيا تحالفت الولايات المتحدة مع قائد أركان الجيش البرازيلي أومبرتو كاستيلو برانكو لتنفيذ انقلاب أطاح بالرئيس جواو غولارت وقدمت واشنطن دعما ماليا للمظاهرات المعارضة إضافة إلى الوقود والأسلحة للجيش وبحسب مكتبة الكونغرس أطلقت واشنطن عملية الأخ سام لتأمين الدعم اللوجستي الكامل بهدف إقامة نظام موال ومنع تمدد النفوذ اليساري وأسفر الانقلاب عن حكم عسكري استمر أكثر من عشرين عاما شهد قمعا واسعا وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الأرجنتين 1976 دعم انقلاب دموي دعمت الولايات المتحدة انقلابا عسكريا قاده الجنرال خورخي فيديلا أطاح بالرئيسة المنتخبة إيزابيل بيرون وكشفت وثائق أفرج عنها عام 2021 وجود تنسيق واتصالات بين الانقلابيين ومسؤولين أمريكيين مع علم واشنطن المسبق بطبيعة الحكم العسكري المرتقب وخلال حكم فيديلا 1976 1983 شهدت الأرجنتين واحدة من أكثر الفترات دموية حيث قتل أو اختفى ما بين 15 و30 ألف شخص وتعرض الآلاف للاعتقال والتعذيب والتغييب القسري تشيلي 1973 إسقاط أليندي وظفت الولايات المتحدة أموالا سرية للتأثير على الانتخابات التشيلية عام 1970 لمنع فوز سلفادور أليندي لكنها فشلت وبعد توليه الحكم وتنفيذه سياسات اشتراكية وتأميم شركات كبرى رأت واشنطن في حكومته تهديدا مباشرا لمصالحها ودعمت سرا انقلابا قاده الجنرال أوغستو بينوشيه عام 1973 وهو ما أكدته تحقيقات مجلس الشيوخ الأمريكي عام 1975 وبعد مقتل أليندي أسس بينوشيه نظاما قمعيا ألغى الدستور وحل البرلمان وحظر الأحزاب وتسبب في أكثر من 40 ألف ضحية بين قتيل ومعتقل ومختف قسريا ختاماتكشف الوقائع التاريخية لتدخلات الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية عن نمط متكرر من تقويض الديمقراطية وإعادة إنتاج أنظمة تابعة غالبا ما حكمت بالقوة والقمع وخلفت إرثا ثقيلا من الحروب الأهلية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وعدم الاستقرار المزمن فقد أفضت سياسات إسقاط الحكومات المنتخبة إلى إفراغ مفاهيم السيادة والاستقلال من مضمونها العملي وربط مصير الدول بخيارات خارجية لا تعبر عن تطلعات شعوبها ورغم اختلاف السياقات والزمن فإن القاسم المشترك بين هذه التدخلات ظل واحدا تغليب المصالح الأمريكية على حقوق الشعوب الأخرى ومن ثم فإن استحضار هذه التجارب لا يندرج في إطار التوثيق التاريخي فحسب بل يكتسب أهمية سياسية ومعرفية بوصفه تحذيرا دائما من كلفة التدخل الخارجي حين يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الدول بالقوة بدل احترام إرادة شعوبها ومساراتها الوطنية اعتمدت الولايات المتحدة على امتداد القرن العشرين سياسة نشطة لإسقاط حكومات منتخبة ديمقراطيا في أمريكا اللاتينية مستخدمة قوتها العسكرية وأذرعها الاستخباراتية وبالاستعانة بشبكات محلية ومنظمات وأفراد مرتبطين بها وقد استهدفت هذه التدخلات أنظمة جاءت في معظمها عبر صناديق الاقتراع لكنها تبنت سياسات رأت فيها واشنطن تهديدا مباشرا لمصالحها الاقتصادية أو لنفوذها الجيوسياسي اشترك وانظم ليصلك آخر الأخبار عبر منصات العين برس على مواقع التواصل الإجتماعي واتس أب تيليجرام منصة إكس The post ما بعد القانون الدولي واشنطن وإسقاط الأنظمة بالقوة appeared first on Alainpress

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العين برس لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح