القاضي جمال المكعبي لم تترك شيئا لمن يخلفك
27 مشاهدة
لم أعرف القاضي جمال المكعبي معرفةً شخصية، لكنني عرفته معرفةً أعمق؛ عرفته من خلال شخصيته التي تتحدث عنها مواقفه، ومن خلال تواضعه الذي يسبق مقامه، وشجاعته في محاربة الفساد، وإيمانه بأن العدالة ليست كرسيًّا يجلس عليه القاضي، بل رسالة ينزل بها إلى الناس، ويستمع إلى أنين المظلوم، ويصغي إلى شكوى المواطن البسيط، ويجعل من إنصافه واجبًا لا مِنّة.لقد ظننته في بادئ الأمر رجلًا بسيطًا، من أولئك الذين لا يتكلفون الوقار، ولا يستعيرون الهيبة من مناصبهم؛ فإذا بي أمام شخصية تتوارى خلف بساطتها قامة قضائية رفيعة، وعقل نافذ البصيرة، وإدراك يلتقط ما وراء الكلمات، وفطنة تميز بين ظواهر الأمور وبواطنها، وحكمة لا تستعرض قوتها، بل تدع المواقف تنطق عنها.
وشاركني هذا الرجل في مجتمع «سفينة نوح»، ولم أكن أدرك أن هذا الإنسان الذي يجلس بين الناس بتلك العفوية والتواضع هو المحامي العام للنيابات الجزائية! وهنا وقفت مدهوشًا أمام مفارقة نادرة: كيف يجتمع هذا المقام الرفيع مع كل هذه البساطة؟ وكيف تتسع نفس صاحب المسؤولية الكبيرة لأن ينزل إلى مستوى المواطن البسيط، لا ليمنحه لحظات من الاهتمام فحسب، بل ليشاركه همومه، ويناقش قضاياه، ويناصر ما يراه حقًّا وعدلًا؟
عندها أدركت أنني لم أكن أمام رجل يخفي منصبه، بل أمام رجل لا يحتاج إلى إظهاره؛ لأن أخلاقه تتولى التعريف به، ومواقفه تتكفل بتقديمه، وضميره يمنحه من الهيبة ما لا تمنحه الألقاب.
يا سيدي القاضي جمال المكعبي، هل تسمح لمن سيخلفك أن يجد شيئًا من التواضع الذي تركته خلفك؟
لقد أربكتني مآثرك، وأوقفت قلمي عند حدود الدهشة، حتى تلعثمت الحروف في فمي؛ فكيف يكتب المرء عن رجل جمع بين رفعة المنصب وخفض الجناح، وبين صرامة القانون ورحابة الإنسانية، وبين قوة الموقف ولين المعاملة، وبين الحزم الذي لا يساوم على الحق والتواضع الذي لا يجرح كرامة أحد؟
إنها معادلة لا يجيدها إلا من امتلك زمام نفسه قبل أن يتولى زمام مسؤوليته؛ فلا تغريه السلطة فيتعالى، ولا تستفزه الخصومة فيظلم، ولا تعميه المكانة عن رؤية
ارسال الخبر الى: