القارئ والذاكرة السورية
لا يحكي فيلم القارئ (إخراج ستيفن دالدري عن رواية الألماني برنارد شلينك، وبطولة كيت وينسلت) قصة علاقة عاطفية بين مراهق ألماني وسيّدة تكبره في السنّ كانت حارسة في معسكر نازي فقط، يحكي الفيلم أكثر عن سؤال أخلاقي شديد الأهمية: كيف يمكن محاكمة أشخاص عاديين ارتكبوا جرائم جماعية من دون أن يشعروا أنهم مجرمون؟
لم تكن بطلة الفيلم، هانا، مجرمةً بالمعنى الفعلي للكلمة؛ لم تقتل أحداً بيدها، ولم توصل أحداً إلى أفران الغاز، لكنّها في عملها حارسةً لأحد المعسكرات النازية شاركت في واحدة من أكثر جرائم التاريخ سوءاً. لا يصوّر الفيلم هانا وحشاً لا يمكنك التعاطف معه؛ فهي لا تملك خطاباً أيديولوجياً ولا خطاباً سياسياً، ولا تبدو امرأةً ساديّة. هي أتفه من ذلك بكثير؛ هي التجسيد الكامل لفكرة حنّة أرندت عن مفهوم تفاهة الشرّ، فالشرّ قد يُرتكب من أشخاص لم يفكّروا، لا لأنهم أشرار بالضرورة، بل لأنهم أطاعوا والتزموا ولم يطرحوا أسئلةً على أنفسهم قبل أن يفعلوا ما يُطلب منهم. يحدث أن تتعاطف في الفيلم معها، وأن تجد لها مبرّرات، أو ربما أن تجد مبرّرات لتعاطفك معها، ذلك أن الحياة ليست سواداً كاملاً ولا بياضاً كاملاً؛ بين الاثنين ثمة منفذ لشيء آخر.
هانا، بطلة الفيلم، أمّية لا تقرأ ولا تكتب. تترافق هذه الأمّية مع أمّية أقسى تتجلّى في عدم قدرتها على قراءة أفعالها ضمن سياق أخلاقي. هي فعلت ما تعرفه فقط، نفّذت أوامر مرؤوسيها التي لم تكن يوماً محل تساؤل لديها. هي معتادة على الطاعة وعلى تنفيذ الأوامر، وهما عندها سياق حياة كاملة. كيف ستُحاكَم على هذا السياق ولماذا؟ هي تعرف أنها لو عصت أوامر مرؤوسيها لقُتلت. في إطاعتها الأوامر، حافظت على حياتها، لكنّها لم تنتبه إلى أن ثمن ذلك كان الاشتراك في جريمة تاريخية لم تكن تملك ثقافة أخلاقية لإدراكها.
أما مايكل، المراهق الألماني الذي أحبّها، فهو ابن الجيل الذي نشأ فوق رماد الجريمة، الجيل الذي لم يشارك في الجريمة لكنّه عرفها وصمت. هل يجب محاكمته بسبب الصمت؟ وهل الصمت
ارسال الخبر الى: