الفيلسوف بعد استعماله

41 مشاهدة

هل يموت الفيلسوف أكثر من مرّة؟ يبدو السؤال تمريناً بلاغيّاً زائداً على الحاجة، لكن الجدل الذي دار عن يورغن هابرماس بعد رحيله أخيراً أعاده إلى الواجهة، لا بوصفه استعارة، بل تشخيصاً شبه سريري لحياة الأفكار في زمن الارتباك الأخلاقي. وليس هابرماس الوحيد في هذا الصدد. نذكر وقوف جان بول سارتر مع المظلومين في قضايا عادلة كثيرة، من دون أن ينتبه إلى أنّ لحظاته السوفييتيّة والماويّة زيّنت له الوقوف مع الجلّاد أيضاً، ما دام ينتسب إلى المعسكر الصحيح. نذكر ميشال فوكو، وهو يعبّر عن افتتانه بالحدث الإيرانيّ في أواخر السبعينيات، ظنّاً منه أنّها ثورة روحية أفلتت من القوالب الغربية، ثمّ إذا هو أمام نظام ثيوقراطيّ مناقض لأطروحاته. كذلك نذكر مفكّرين عرباً كثيرين نظّروا للحداثة والديمقراطيّة وتغنّوا بالحوار، لكنّهم لعبوا دور المهرّج التراجيدي مع نُظُمهم المختلفة، جاعلين من الضحايا هوامش في نكتة فلسفية أطول من اللازم.

ثمّة حالة يختصّ بها بعض الأشخاص حتى عند وفاتهم الأولى العاديّة: يُوارَى الجسد، ويُخلّدُ الاسم أو يُنسى، ويبقى الأثرُ أو يُمحى، حسب مزاج الذاكرة الجماعية تجاه أي إنسان. لكن المشكلة أنّ أشخاصاً استثنائيّين، ومنهم الفلاسفة، لا يغيبون بعد وفاتهم تلك. إنهم يواصلون الاحتضار بطريقة ما، بعد موتهم، لأن ما يتركونه ليس جثة هامدة، بل شبكة استعارات، ووعوداً كونية، وأحلاماً عقلانيةً ووجدانيّة تواصل اشتباكها مع العالم. بعد ذلك، يأتي انقلابُ الفيلسوفِ على كونيّة أفكاره. وتلك وفاته الثانية. لا نتحدّث هنا عن مراجعة قد تكون طبيعيّة، بل عن نوع من الانزلاق الذي يجعل الفكرة تبدو كأنها خانت نفسها عبر صاحبها. في حالة هابرماس، بدا الأمر تناقضاً غير مقبول. جسّد الرجلُ لعقود طويلة يوتوبيا العقل الحواري، حيث تُبنى الحقيقة عبر نقاش حرّ ومتساوٍ في الفضاء العمومي. إلّا أنّ هذه اليوتوبيا التواصليّة لم تصمد أمام امتحان الدم الفلسطينيّ. فجأة بات الكونيُّ لهجة محليّة، وتحوّل الجدل حول هذا الفيلسوف إلى جدلٍ مُحرج حول الحداثة الأوروبية: هل يمكن للفلسفة التي وُلدت في أوروبا أن تكون حقّاً كونيّة؟ لكأنّ الفلسفة تطلب من المنظّر،

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح