أحلام الفنان الكوبي ويفريدو لام ضد الاستعمار والتفرقة العنصرية

78 مشاهدة
يأخذنا الفنان الكوبي ويفريدو لام 1902 1982 عبر لوحاته وأعماله الفنية الأخرى إلى عوالم أحلامه وكوابيسه حيث يمتزج جمال الخيال والأمل من جهة مع كوابيس العالم من حروب واستعمار وفاشية وظلم اجتماعي من جهة أخرى ويعالج هذه الموضوعات بأسلوب فريد يدمج ثقافات متعددة ويمزجها منها الأفريقية والأوروبية والكاريبية تتنوع أساليبه الفنية بين السوريالية والتكعيبية غير أنه لا يمكن حصره ضمن أي منها ولعل الوصف الأقرب لعقود من إنتاجه الفني المتنوع يتمثل في ما قاله هو عن أعماله إذ عدها تجسيدا للشعر الأفريقي فقد صرح في إحدى مقابلاته اعتبروني رساما من مدرسة باريس ورساما سورياليا لكنهم لم يعتبروني قط ممثلا لذلك النمط من الرسم الذي أمارسه حقا والذي أؤمن بأنني أجسد من خلاله إلى حد كبير شعر الأفارقة الذين وفدوا إلى كوبا ذلك الشعر الذي لا يزال يخفي الكثير من الألم في أغانيه ولم يكن الشعر أو سائر التعابير الإبداعية غائبة عن تجربته الفنية إذ تعاون مع عدد من الشعراء وتأثر بهم ومن أبرزهم الشاعر المارتينيكي إيمي سيزار الذي جمعته به عدة تجارب مشتركة وقد صرح لام بتأثره العميق بأشعار سيزار لا سيما كتابه دفتر العودة إلى الوطن وعلى الرغم من مكانته الفنية العالمية فهذه هي المرة الأولى التي يحظى فيها لام في الولايات المتحدة بمعرض استعادي شامل يضم عددا كبيرا من أبرز أعماله ويستمر المعرض في متحف موما MoMA بمدينة نيويورك حتى 11 إبريل نيسان ويحمل عنوان ويفريدو لام حين لا أنام أحلم يستحضر تاريخ العبودية في تكوينات تمزج السوريالية بالتكعيبية تتنوع جذور لام الكوبية فوالدته من أصول كونغولية كوبية بينما كان والده صينيا وقد انعكس هذا التنوع في أعماله لكنه تجاوزه أيضا ليجسد مسيرته الحافلة ففي عام 1923 انتقل إلى إسبانيا لتلقي تدريب أكاديمي فني ثم أقام فيها وشارك في القتال خلال الحرب الأهلية الإسبانية 1936 1939 إلى جانب الجمهوريين ضد الديكتاتورية العسكرية القومية ثم اضطر إلى الذهاب إلى باريس هربا من ويلات الحرب الأهلية nbsp لكن الملاذ الباريسي لم يلبث أن أصبح مهددا عندما اجتاح جيش ألمانيا النازية باريس ما اضطره إلى الفرار على وجه السرعة والنزوح إلى مرسيليا عام 1940 شأنه شأن عدد كبير من الفنانين والمثقفين اليساريين في انتظار ممر آمن خارج فرنسا وقد علم لاحقا أن بيكاسو الذي ساعده في الحصول على مرسم للعمل في باريس تمكن من إنقاذ لوحاته التي كان قد اضطر إلى تركها خلفه وفي مرسيليا حيث مكث قرابة تسعة أشهر واصل العمل بشكل مكثف رغم المخاطر وتقاطعت تجربته مع العديد من الفنانين والمثقفين السورياليين الذين شكلوا ما عرف بـفيلا إير بيل وهي إحدى الأمكنة التي اجتمعوا فيها وتعاونوا خلالها بانتظار مغادرة أوروبا إلى الأميركتين ومن بين هؤلاء الفنانين أندريه بريتون وماكس إرنست وفيكتور براونر وجاكلين لامبا وغيرهم بعد مغادرته مرسيليا على متن باخرة برفقة آخرين في رحلة استمرت شهرا وتنقله بين عدد من الأماكن بما فيها جمهورية الدومينيكان اضطر إلى العودة إلى كوبا إذ لم يحصل على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة أو المكسيك وكانت عودته إلى كوبا في أغسطس آب 1941 الأولى بعد غياب دام ثمانية عشر عاما وبعد فترة قضاها في كوبا دامت قرابة عشر سنوات انتقل للعيش في باريس عام 1952 حيث توفي لاحقا مع استمراره في التنقل بين أماكن مختلفة خلال العقود التالية لمغادرته كوبا للمرة الثانية والتي عكف على العودة إليها من حين إلى آخر حظي باعتراف متأخر لارتباط فنه بفكرة مقاومة الاستعمار كثيرة هي أعمال لام التي تجعلنا نقف أمامها منبهرين عند زيارة المعرض الاستعادي في نيويورك مثل لوحة الغابة 1942 1943 ولعلها أشهر أعماله وقد أنجزها عند عودته إلى كوبا لكنها ليست الوحيدة التي تثير هذا الشعور إذ تجد نفسك أمام أعمال أخرى مندهشا محاولا استيعاب موجة من المشاعر التي تثيرها تتميز الغابة 239 4 229 9 سم ألوان زيت وفحم على ورق مثبت على قماش بتكوين شامل وأشكال وأجساد تمزج بين الحيوان والنبات والإنسان وسط غابة من الألوان والتكوينات التي وضعت وسط حقول قصب السكر في استحضار لتاريخ العبودية والاستعمار وتبدو بعض الأشكال قريبة من شخصيات أسطورية فيما يستلهم بعضها الآخر الأقنعة الأفريقية كما تظهر أجساد تبرز أجزاء منها وتغيب أخرى واللافت أيضا استخدامه للورق بدلا من الرسم على القماش ويعزو النقاد ذلك إلى صعوبة الحصول على المواد والظروف المادية التي واجهته في كوبا وقبلها في إسبانيا تنوعت أساليب لام وثيماته فإلى جانب معالجته موضوعات الاستعمار والعبودية والحرب العالمية الثانية والحرب الأهلية الإسبانية استحضر تجاربه الشخصية المؤلمة ففي لوحة أم وابن 1939 رحيل زوجته الأولى وابنه عام 1931 إثر إصابتهما بالسل وفي سلسلة من هذه الأعمال عبر عن حزنه وفقدانه إذ تظهر الشخصيات بأشكال هندسية وملامح مطموسة من شدة الألم وتغلب عليها ألوان داكنة ترمز إلى الفقد والأسى العميق والخسارة الشخصية وفي لوحة الحرب الأهلية الإسبانية 1937 يستحضر فسيفساء ألم فلاحي إسبانيا ومعاناتهم في مواجهة الفاشية بالكاد تتبدى وجوه الشخوص الغارقة في أوجاعها في مشهد يوثق مأساة الناجين والموتى وويلات الحرب وقد وصف لوحته بأنها عمل مناهض للفاشية ليس جميلا لكنه حقيقي ولعل الاشتباك الواضح والوعي السياسي الذي عبر عنه لام في مناسبات عديدة هو ما أخر تنظيم إقامة معرض استعادي شامل له في الولايات المتحدة أربعة عقود بعد وفاته رغم أهميته الفنية العالمية ويكتسب هذا التجاهل بعدا إضافيا عندما ندرك أن لام كان يعتبر عمله الفني جزءا من تفكيك الاستعمار ما يعيد إلى الذهن حقيقة ارتباط العديد من المتاحف بالمنظومة الاستعمارية ومحاولاتها المستمرة لإفراغ الفن من رسائله السياسية الجدير بالذكر أن متحف الموما امتلك عددا من لوحاته أولها أم وابن وهو أول عمل لفنان كوبي يقتنيه المتحف عام 1939 ثم اقتنى في السنوات التالية لوحات إضافية منها الغابة التي عرضها في أكثر من مناسبة لكنه أخرج صاحبها من أي سياق لهويته كفنان كوبي أسود وكذلك عن رؤيته السياسية وموضعته لفنه ضمن السياقات السياسية المختلفة وهو ما يعترف به المتحف أخيرا في عدد من المقالات الواردة في الكتالوغ المصاحب للمعرض

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح