الفلسطيني أبو زهير يعيد إحياء مطعمه التراثي وسط ركام غزة القديمة
تعود رائحة الزعتر البلدي لتختلط بغبار الحجارة وآثار الحريق، من بين ركام البلدة القديمة المدمّرة شرقي مدينة غزة، كأنها إعلان صامت بأن الحياة لم تغادر المكان. فهنا حيث تحوّلت الأزقة التاريخية والأسواق العتيقة إلى أنقاض، تنهض المأكولات الفلسطينية الأصيلة من جديد، رافضة الغياب، وحاملة معها ذاكرة مدينة حاول الاحتلال الإسرائيلي تدمير ملامحها ومحوها.
وسط هذا المشهد القاسي، تُحضر أطباق ارتبطت بالهوية الفلسطينية منذ عقود، مثل مناقيش الزعتر البلدي على الصاج، خبز الطابون، المعجنات اليدوية، والمسخّن بزيت الزيتون الفلسطيني، بأدوات بسيطة وإمكانات محدودة، لكن بإصرار كبير على الحفاظ على النكهة الأصلية التي عرفها الغزيون والزائرون على حد سواء.
من قلب البلدة القديمة شرقي مدينة غزة، بالقرب من المسجد العمري الكبير، أعاد الفلسطيني إسماعيل قاسم، المعروف بـأبو زهير، إشعال النار تحت صاج المناقيش، بعد أن دمّرت الحرب مطعمه التراثي بالكامل، لتصبح عودته سعياً واعياً لإحياء نكهة الذاكرة الفلسطينية في المكان ذاته الذي ارتبط بها تاريخياً، وليس مجرد محاولة لاستئناف العمل.
قبل الحرب، كان مطعم أبو زهير يعدّ معلماً بارزاً من معالم غزة، ومزاراً للعائلات وسكان المدينة وزوارها من خارجها، بمن فيهم الأجانب، لما كان يقدمه من تجربة متكاملة تجمع بين الطعام الشعبي الأصيل والمشهد التراثي للبلدة القديمة، وكانت الصور الصادرة من المكان تشبه حواري القدس والمدن الفلسطينية العتيقة، حيث تختلط رائحة الزعتر بتاريخ الحجر والأسواق القديمة.
يقول أبو زهير لـالعربي الجديد إن مشروعه لم يكن مطعماً عادياً، بل محاولة لتغيير الفكرة السائدة عن قطاع غزة، بوصفه مكاناً مدمراً وغير قابل للحياة، عبر تقديم وجبات تراثية مرتبطة بالمكان العتيق، حيث تكتمل النكهة بالمشهد، ويصبح الطعام جزءاً من الحكاية والذاكرة.
لكن العدوان الإسرائيلي جاء ليهدم هذا الحلم بالكامل، إذ دمر المطعم عن آخره، وتعرّض أبو زهير للنزوح نحو عشرين مرة داخل مدينة غزة وباقي محافظات القطاع، وفقد ابنه أحمد خلال الحرب. ويشير إلى أن هذه الخسارة المزدوجة، في المكان والابن، شكلت ضربة قاسية، لكنها لم تنجح في كسر إرادته.
وبعد محاولات لإعادة
ارسال الخبر الى: