الفلاسفة شركاء تفكيرنا لا أوصياء على وعينا

30 مشاهدة

ثمّة ظاهرة فكرية تتكرّر في النقاشات السياسية والاجتماعية والثقافية، تتمثّل في التعامل مع أقوال الفلاسفة والمُفكّرين العظماء بوصفها أحكامًا نهائية وشرعية تُحسم بها الخلافات وتُغلق بها أبواب النقاش. ففي كثير من الأحيان، يُستدعى اسم مفكّر أو فيلسوف لإضفاء سلطة إضافية على رأي مُعيّن، وكأنّ قيمة الفكرة مُستمدّة من مكانة قائلها لا من قوّة حجّتها. وبهذا يتحوّل الاقتباس من وسيلة لإثراء الحوار إلى أداة لوقفه، ومن مدخل للتفكير إلى بديل عنه. غير أنّ هذا التصوّر يتعارض مع طبيعة الفلسفة ذاتها. فالفلسفة لم تنشأ لتقديم يقينيات جاهزة أو حقائق نهائية، وإنما قامت على التساؤل والنقد وإعادة النظر في المُسلّمات. ولم يكن الفلاسفة عبر التاريخ أصحاب أجوبة مُكتملة بقدر ما كانوا أصحاب مناهج في التفكير ومحاولات لفهم الواقع والإنسان والمعرفة. ولذلك فإنّ القيمة الحقيقية لتراثهم لا تكمن فقط في النتائج التي توصّلوا إليها، بل في الأساليب العقلية التي استخدموها للوصول إليها.

إنّ تحويل أفكار الفلاسفة إلى نصوص لا يجوز الاقتراب منها أو مناقشتها يمثّل تناقضًا مع الروح المعرفية والعقلية التي انطلقت منها الفلسفة. فمعظم المفكّرين الذين يُستشهد بهم اليوم اكتسبوا أهميتهم لأنهم تجرّأوا على مُساءلة الأفكار السائدة في عصورهم، ورفضوا التسليم بالمُسلّمات لمجرّد شيوعها أو ارتباطها بسلطات سياسية أو دينية أو اجتماعية. ومن المفارقة أن يتحوّل فكر نشأ من ممارسة النقد إلى أداة تمنع النقد، أو أن تُستخدم أعمال دعت إلى التحرّر العقلي لتبرير الجمود الفكري.

إنّ الفلاسفة والمُفكّرين وكبار الأدباء في تاريخ الفكر البشري ليسوا أوصياء على وعينا، بل هم شركاء لنا في التفكير. نقرأهم لنفكّر معهم لا لنتوقّف عندهم، نحاورهم لنوسّع أفق السؤال لا لنتخذ من أفكارهم ملاذاً يعوّض ضعف فهمنا أو فقر حِجَجِنا. فالفكر الحرّ لا يعرف الأصنام، مهما علا شأن أصحابها. كما أنّ طبيعة المعرفة الإنسانية نفسها تجعل من الصعب التعامل مع أيّ فكرة بوصفها صالحة بصورة مطلقة في جميع الأزمنة والظروف. فالمعرفة عملية تراكمية ومُتغيّرة باستمرار، تتأثّر بتطوّر العلوم والخبرات الإنسانية والتحوّلات الاجتماعية والثقافية. والأفكار التي يطرحها المفكّرون

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح