الفقاعة الفيفاوية لماذا نخسر كرة القدم
تابعتُ مثل كثيرين المباراة التي جمعت بين المُنتخبَين المغربي والفرنسي. وقد كان مشروبي البارد أكثر إمتاعاً منها، ليس لأنّ المنتخب الوطني لم يظفر بنهاية سعيدة في الدور ربع النهائي من المونديال، بل لأنّ ما يسميه العالم ببساطة كرة القدم لم يعد، في احترافيته الراهنة، كما كان عليه سابقاً. ثمّة ثقل غير رياضي ومُثير للريبة ما يزال يحوم حول أطراف هذه اللعبة الجميلة؛ بل ويحرّكها من الداخل ويحرّكنا معها أيضاً في عرضه العالمي الذي يجمع الإعلام والمال والسياسة في مشهد واحد.
فعقب كلّ مباراة مُريبة ومُملّة كهذه، يفرض السؤال نفسه: هل ما زلنا نعشق كرة القدم لأنّها لعبة جديرة بالحبّ، أم لأنّنا أصبحنا جزءاً من صناعة تتقن إنتاج الشغف وتسويقه؟ أتحدّث عن هذا في معزل عن موضوع الخبز والسيرك الذي ما يزال مناسباً جدّاً للتعبير عن مجتمع الفرجة اليوم.
ما شهدناه من اللقاء على أرضية ملعب بوسطن في ولاية ماساتشوستس الأميركية كان بائساً إلى حدٍّ كبير. وبعيداً عن أداء الفريق المغربي الذي بدا أنّه لا يشبه سوى نسخاً تكتيكية مُعدّة سلفاً لأيّ قميص آخر، كانت المباراة عموماً تخلو من المتعة والتشويق؛ مجرّد محاولات مستمرّة للسيطرة على المساحات، وخلق الضغط الجماعي، ومنع الخصم من التفكير. يختلف هذا كثيراً عن مباريات سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حيث كان العرض الكروي يرسمُ المتعة ويحقّق الدهشة، ويخلق المباغتة وهو يوقّع الهدف المعجزة؛ كما لو أنّ مائدة الرّب هبطت، هكذا، فجأة.
قلّ الشِّعر في كرة القدم، وحلّت محلّه السرديات الكبرى
لقد انتقلنا على ما يبدو من عصر الرسامين إلى عصر الكتائب القتالية التي تسير وفق هندسة تكتيكية تُطبّق عملياً على الأرض، أي من لاعب يبتكر الحلول إلى منظومة تنفّذ التعليمات، حيث كلّ شيء قابل للقياس، ممّا يُحاصر الموهبة ويُقلّص هامش تجليها الحر. لأجل ذلك ربّما، كنت من أولئك المُشجّعين المُفترضين الذين خسرتهم كرة القدم. فشعوري بالحنين إلى زمن دييغو مارادونا نابع من شغفي بالفوضى الخلاقة والإلهامات التي كانت تومض بإشراقات جمالية، ولمسات ارتجالية داخل نظام شديد الانضباط،
ارسال الخبر الى: