الفرز بحد السيف
تقول الرواية التي تحفّ بسيرة أبي تمّام إنّ المنجّمين نصحوا المعتصم بألّا يغزو عمّوريّة قبل أن ينضج التين والعنب، فخرج إليها وفتحها، وجاء الشاعر يسخر من النجوم: السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ. وبعد قرابة 12 قرنًا كتب ترامب على منصّته، في الثامن من الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول)، إنّ بلاده لن تهاجم إيران قبل الانتخابات النصفيّة. ثمّ وعد كلّ ناخبٍ للجمهوريّين بخمسة آلاف دولار. ثمّ نقلت وول ستريت جورنال أنّ واشنطن نبّهت دول الخليج إلى الاستعداد لهجوم قصير ومكثّف بعد الاقتراع.
عاد التقويم إذن، غير أنّ المنجّم صار ناخباً، وصار التينُ والعنبُ صناديقَ ينتظر السيف نضجها، في حرب بلغت شهرها الثامن وكانت ستنتهي في أسابيع. من هنا يبدأ السؤال الذي لا تطرحه النشرات: كيف يستطيع رجل يريد البقاء في الحكم أن يفكّر بصوتٍ عالٍ في شنّ حرب قد تبتلع الملايين، ثمّ يجد من يسانده بحماسة مشجّعي فِرَقِ كرة القدم؟
ألقى إلياس كانيتي (1905ـ 1994) في هذه البئر حجراً ثقيلاً حين كتب الجماهير والسلطة، بعد أن رأى أوروبّا تحترق. تماهت لحظةُ النجاة عنده بلحظة الفزع من رؤية الموت ينقلب رضىً خفيّاً لأنّ الميّت شخص آخر. بدا الحاكمُ في تصوّره ناجياً محترفاً يكدّس الموتى من حوله ليتأكّد من أنّه ما زال واقفاً. كما بدت الحربُ، بناءً على هذا الأساس، مهلةً يشتريها السياسيُّ بأعمار غيره، فالجبهة تؤجّل الحساب والمقبرة تؤجّل الصندوق. أمّا المتفرّجون على هذه اللعبة الدمويّة، فيكفيهم الاقتناع بأنهم يقتسمون مع السياسي المحارب تلك اللذّة الصغيرة التي فضحها كانيتي: الموتى من الآخرين وليسوا منّا. وكلّما ارتفع عددُ قتلى العدوّ اشتدّ التحام الأنصار، وبدا الزعيم جديراً بولاية أخرى.
حدّد ترامب لهذه اللذّة سعرها حين قال في تجمّع في ميشيغن إنّه توقّع أن يتضاعف ثمن البنزين مرّتين أو ثلاثاً أكثر ممّا حدث بالفعل، وإنّ ذلك ثمن صغير مقابل انتزاع سلاح نوويّ من مجانين. الثمن يُحسب عند المضخّة والجثث خارج الفاتورة. كلّ شيء يُصاغ بلغة الجيب في هذه المرحلة البشعة، حتّى الاعتراض الشعبيّ الواسع على
ارسال الخبر الى: