عبد الغني أبو العزم المعجم وسيط بين مؤسسة الحكم والناس في المغرب
تقدّم تجربة عبد الغني أبو العزم، الذي رحل عنّا قبل أيام، مثالاً نادراً في الثقافة المغربية المعاصرة على تداخل الحقول المعرفية وتفاعلها داخل مشروع فكري واحد، إذ تتقاطع في تجربته خمس دوائر كبرى: الكتابة الروائية والشعرية، والبحث اللغوي المعجمي، والتأمل الثقافي في التراث والفكر الإسلامي، والترجمة، بوصفها مختبراً جمالياً لاختبار اللغة في مستوياتها الحية، ثم العمل السياسي.
هذا التعدّد في الاهتمامات يمنح تجربته قيمة خاصة، لأنّ الانتقال من الرواية والشعر إلى المعجم أو الترجمة أو التحقيق، لا يجري عبر قطيعة معرفية، بل عبر انتقال في وظيفة اللغة نفسها: من لغة التخييل إلى لغة التصنيف والقياس.
في الحقل الروائي ارتبط اسم عبد الغني أبو العزم بثلاثة أعمال سير-ذاتية روائية (الضريح؛ الضريح الآخر؛ بعيداً عن الضريح)؛ والحديث هنا عن ضريح سيدي بلعباس في حي الزاوية العباسية بمراكش. ففي الضريح والضريح الآخر، على سبيل المثال، تتجسد علاقة الكاتب بالذاكرة الجماعية والفضاء الرمزي، إذ تتحول فكرة الضريح إلى مركز دلالي تتقاطع فيه الأسطورة الشعبية والتاريخ المحلي والتحولات النفسية للشخصيات، كما يتكئ السرد على الذاكرة التي تتحول إلى منبع للمعنى، وإلى بنية تنظّم الحكي وتعيد تشكيله وفق إيقاع الشعور بالأحداث، لا في تعاقبها بل في تراكمها وتأثيرها وإلحاحها. ولهذا نلاحظ أنّ السارد يطلب من الطفل، في أكثر من مقام، تولي عملية الحكي ونقل الأحداث كما عاشها في طفولته: أريدك أن تستمر في حكيك كما عشته لا كما أراه الآن (الضريح الآخر. ص: 106). ومن ثم، فإنّ الماضي (الطفل/ السارد) يصبح مادة حية تتدفق داخل الحاضر (الكاتب/ السارد)، عبر فعل التذكّر بما يحمله من أصوات وصور وأحاسيس وروائح.
تنوّعت أعماله بين الأدب والبحث اللغوي المعجمي والترجمة
أما في بعيداً عن الضريح، فإنّ الذاكرة تنقل، في قالب حواري، درجات من الوعي التأملي بالذات، وبالزمن السياسي والثقافي الذي تشكّلت فيه. ذلك أنّ السيرة في هذا العمل تتخذ وظيفة مزدوجة: استعادة الحياة الشخصية، وقراءة ضمنية لتحولات مرحلة تاريخية امتدت من زمن الحركة الوطنية المغربية.
ويمكن القول إنّ أبو
ارسال الخبر الى: