الغباء الأخلاقي

106 مشاهدة

في إحدى مقابلاته في الجزيرة الوثائقية، أشار المؤرّخُ الإسرائيلي إيلان بابيه، في معرض تناوله موقف الغرب من إسرائيل في سياق ما ترتكبه في غزّة وفلسطين، إلى ما سمّاه الغباء الأخلاقي، طارحاً السؤال: لماذا يصبح أكثر المفكّرين أهميةً (صحافيين، أكاديميين، سياسيين، مثقفين) أغبياء حين يتحدّثون عن إسرائيل؟... والمطروح هنا بالطبع هذا الميل المتعمّد والمُغالي إلى عدم الفهم ورفض الاعتراف بالحقيقة، حتى حين تكون الحقائقُ ماثلةً بوضوح أمام العيون. هذا الغباء ليس عجزاً عن التحليل، بل هو رفضُ الإقرار بأن ما يجري جريمة، ذلك أنه يفترض من ثمّ ضرورةَ اتّخاذ موقف واضح، أقلّه التنديد بها والتصدّي لها. هكذا اختار كثرٌ من المفكّرين والمثقّفين الكبار عالمياً الطريقَ الأسهل: غضّ الطرف، تلطيف اللغة، وإحالة المأساة إلى تعقيدات الصراع. وهذا قرارٌ واعٍ بالابتعاد عمّا هو أكثر من بيّنٍ وجلي، والاختباء في ظلّ الإنكار، هرباً من مواجهة تناقضاتٍ قاتلة، أو تفادياً لخسارة امتيازاتٍ مهمّة. ويضيف إيلان بابيه أن هذا النمط من التفكير إنما هو من أشكال إذلال الذات أمام القوّة المهيمنة، إذ تتبنّى المجتمعاتُ (كما الأفراد) روايةَ الجلّاد كما هي، مانحةً إيّاها شرعيةً جديدةً، ومحوّلةً المعنيّين بها شهداءَ زور، وربّما شركاء في إعادة إنتاج الظلم.
ومع التفكير في مقولة الغباء الأخلاقي، لا بدّ من القول إنه لا ينشأ من فراغ، بل يُصنَع ويُحصَّن بسياج من التبريرات: حماية التحالفات الاستراتيجية، ضمان الاستقرار، أو التذرّع بـالموضوعية. فالإعلام بات متخصّصاً في صوغ لغةٍ مطهَّرة تُخفي الدمَ تحت مصطلحاتٍ باردة تُخبر نصف الحكاية، طامرةً النصف الآخر تحت أطنانٍ من الصمت. وكلّما طال هذا الصمت، صار الخروجُ منه أصعب، والضميرُ الجماعي أقلَّ مقدرةً على التمييز بين الحقّ والباطل. ففي البنية النفسية لهذا الغباء، نجد آليات الإنكار التي يعرّفها علمُ النفس الاجتماعي تبرير الأذى، إلقاء اللوم على الضحية، أو تحييد النقاش تحت شعار الأمور معقّدة. بالطبع، ليس هذا حياداً، بل تواطؤاً مقنّعاً يشلّ الضمير ويحوّل الإنسان مراقباً سلبياً يبرّر عجزه بأنه خارج اللعبة. تحدّث الفيلسوف الألماني السويسري، والطبيب النفسي كارل ياسبرز، عن

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح