العيش بعد الحلم

23 مشاهدة

حين أعود بذاكرتي إلى ستينيّات القرن الماضي وسبعينيّاته، لا أراها زمنًا مثاليًا، بل أستحضرها بوصفها مرحلة مُشبعة بالثقة بالمستقبل. آنذاك، كانت هناك حيويّة واضحة، وإحساس (رغم الحروب والتناقضات والظلم) بأنّ العالم يتحرّك، ببطء وعدم انتظام، نحو ما هو أفضل. كان للعلم وزن، وللأفكار أثر، وللاحتجاج معنى. كان ثمّة إيمان بأنّ العقل الإنسانيّ، إذا اقترن بالشجاعة الأخلاقيّة، قادر على كبح جماح السلطة وتوسيع أفق العدالة. ذلك الإيمان هو ما كان يسند الكثيرين منا، لكن اليوم، أكاد لا أتعرّف إلى ذلك العالم.

ما أراه الآن هو مناخ عالميّ مُثقل بالخيبة والرهبة. دولٌ كانت تقدّم نفسها نماذج للديمقراطيّة وضبط السلطة، باتت أكثر تسلّطًا، وأكثر ريبةً من الاختلاف، وأكثر استعدادًا للمقايضة بين الحريّة والسيطرة. اليمين المتطرّف، الذي كان يُستحضَر بوصفه تحذيرًا تاريخيًّا، صار يتجوّل علنًا في أروقة الحكم. العنصريّة والإقصاء والتبسيط الأخلاقيّ لم تعد همسًا، بل أضحت تشريعًا وتطبيعًا، وموضع احتفاء.

في قلب هذا التدهور تقف إمبراطوريّة تقودها الولايات المتّحدة، مُتفوّقة اقتصاديًا، مُهيمنة عسكريًّا، ومقتنعة بإعفائها الأخلاقيّ. نظام لا يفهم القوّة إلا بمنطق صفريّ: مكسب طرف يستلزم تدمير طرف آخر. التعاون مقبول فقط حين يخدم الهيمنة؛ القانون الدوليّ يُستدعى انتقائيًا؛ والمعاناة الإنسانيّة تُقاس بميزان الجدوى الاستراتيجيّة. ما يجري في فلسطين كشف هذه الحقيقة بلا مواربة: تُناقَش الإبادة بوصفها سياسة، ويُعاد توصيف قتل المدنيّين بأنه أضرار جانبية، وتذوب الخطوط الأخلاقيّة الحمراء تحت ثقل الحسابات الجيوسياسيّة.

العنصريّة والإقصاء والتبسيط الأخلاقيّ لم تعد همسًا، بل أضحت تشريعًا وتطبيعًا، وموضع احتفاء

لستُ مُندهشًا من عودة المقاومة بأشكال مُتفجّرة. حين يُجرَّد الناس من كرامتهم، وحين تُغلق السبل السلميّة، لا يتبخّر الغضب؛ بل ينفجر. الثورات والانتفاضات وأفعال العنف الارتداديّ ليست أمراضًا غامضة، بل أعراض عالم جعل العدالة مستحيلة بنيويًّا. إدانتها من دون تفحّص الشروط التي تنتجها هو شكل من أشكال التهرّب الأخلاقي. غير أنّ العبء الأثقل الذي أحمله ليس الغضب، بل الفراغ.

بوصفـي عالِمًا ومثقّفًا عاش مرحلة التفاؤل في عقود سابقة، أجد نفسي غارقًا في شعور دائم بالعجز. تتراكم المعرفة،

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح