العيد الأول بعد الغياب
وضعت إبريقَ القهوة العربية على عين الموقد المشتعلة، وأضافت كثيراً من الهيل المطحون وحبّات من القرنفل، ثم خفّضت درجة الحرارة إلى حدّها الأدنى، وتركتها تغلي طويلاً على أقلّ من مهلها، ما أفسح لرائحة البن الانتشار في أرجاء البيت الخالي. ورشّت في الهواء كمّيةً سخيةً من زجاجة عطر رجالي، هي كلّ ما تبقّى من زوجها الراحل، وقد تبرّعت بجميع مقتنياته تنفيذاً لوصيّته. قال لها قبل أيام من رحيله: لا تُبقي شيئاً، وزّعي كلّ شيء، إذا رغب الأولاد بالاحتفاظ ببعض القطع فلا بأس، لكن لا تكدّسي ثياباً رحل صاحبها في خزانة معتمة، لا تدعيها تموت هي الأخرى، أريدها أن تواصل البقاء على أجساد حيّة شابة لم تخذلها الحياة بعد.
لم تتمكّن من الاعتراض، وأومأت موافقة باستسلام، إذ لا جدوى من مجادلة رجل يحتضر. وتولّت المهمّة الشاقّة بكلّ ما فيها من ألم، لأنّ كلّ قطعة من ثيابه: القمصان، والبدلات، والأوشحة، وربطات العنق، شكّلت لها ذكرى حميمة. فقد اعتادا، فيما مضى، التسوّق معاً، وكانت تختار له ثيابه بعناية فائقة. ولطالما أحسّت بالفخر حين تسمع عبارات الإطراء من المحيطين على مظهره الوقور الأنيق، وهي تدرك أنها شريكة ومسؤولة نوعاً ما عن طلعته الشبابية رغم تقدّمه في العمر.
كان يكبرها بسنوات، غير أنه ظلّ محتفظاً بحيويته وشبابه، ملتزماً نظاماً صحّياً دقيقاً، مبتعداً عن العادات السيئة من تدخين وسهر وإفراط في الطعام. ولم يتوقّفا عن المشي يومياً، رغم تكاسلها، وادّعائها الانشغال أحياناً. لم يستمع إلى حججها، وظلّ يلحّ عليها كي ترافقه، ويكرّر على مسامعها أهمّية هذه الرياضة التي تنشّط الدورة الدموية، مهدِّداً إياها، ممازحاً، أنه سيتزوّج عليها صبيةً جميلة رغم سنوات عمره التي ناهزت الثمانين، إذا لم تتمكّن من مواكبة نشاطه الرياضي، فتدّعي عدم الاكتراث، وتداري مشاعر الغيرة التي تتمكّن منها بسهولة، وتردّ بسخرية: تزوّج إذا استطعت، مع السلامة، برتاح منك. ثم ترتدي حذاءها الرياضي وتسبقه متقافزةً إلى الخارج.
كانت تبوح لابنتها الكبرى، متذمّرةً من تدخّلاته في المطبخ وهوسه بالأعشاب والأغذية الصحّية الخالية من الدهون والسكّريات التي
ارسال الخبر الى: