العودة المدرسية بعد أن تغيرت تونس
كانت العودة المدرسية في تونس، إلى زمن غير بعيد، طقسًا اجتماعيًّا يكاد يشبه، في قيمته المعنوية، الأعياد الدينية. في 15 سبتمبر/أيلول من كلّ عام، تستيقظ المدن والقرى والبلدات على منظر مُحبّب، كأنه خلاصة قصة سعي الإنسان في الأرض: أطفال ويافعون يقطعون الطريق من بيوتهم إلى المدرسة مشيًا على الأقدام، بملابس وكراسات وطموحات جديدة. كان اليوم الأوّل مزيجًا من الفضول والخوف والسعادة والشعور بتغيّر الإيقاع، ولهذه التركيبة الهرمونية طعم في النفوس عجيب.
ما يزال بعض من سحر العودة المدرسية حاضرًا إلى أيامنا، لكن بعضًا آخر منه قد خبا. ذلك أنّ المدرسة نفسها لم تعد المدرسة؛ لم يعد موقعها هو ذاته في المجتمع أو الدولة أو العالم. اخترقتها رياح الآفات الاجتماعية من كلّ صوب. حتى منظر المشي إلى المدرسة لم يعد هو ذاته؛ فالغالب في المدن أن ينقل الآباء أطفالهم إلى بوابات مدارسهم بالسيارات، فلم يبقَ ماشيًا إلا من تأخر آباؤهم في سباق الطبقية الجديد.
من قبل، كان هذا السبب بالذات هو ما صنع مركزية المدرسة والعودة المدرسية في ضمائر التونسيين: إنّها فضاء الحلم بتعويض أيّ تأخر اجتماعي، ومساحة للاعتراف بالتميّز المعرفي وغير ذلك من المعاني الخفية. حتى إنها، خصوصًا بين ستينيات القرن الماضي وتسعينياته، تبدو وكأنها تناقض بعض تنظيرات عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، الذي رأى في المدرسة جهازًا لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية. كانت المدرسة التونسية، في تجربة أجيال متلاحقة، قادرة بالفعل على محو الفوارق وإيصال من هم في أدنى الترتيب الطبقي إلى أرفع المواقع. كانت سُلّماً سحرياً، بعبارة المفكر التونسي محمد أبو هاشم محجوب حين خصّص للمدرسة فصلاً ضمن سيرته الذاتية قدري الذي اخترت (صدرت عام 2023). وهو نص مكتوبٌ بحسّ الفيلسوف والعارف بشؤون التربية والتعليم، يمثلُ شاهدًا عن موقع المدرسة من حياة التونسيين وتصوّرهم للعالم.
كانت المدرسة التونسية قادرة بالفعل على محو الفوارق وإيصال من هم في أدنى الترتيب الطبقي إلى أرفع المواقع
لكلّ ذلك، كانت العودة المدرسية تعني عودةً إلى حلم. فلما خبا بالتدريج هذا المعنى، نضب ينبوع
ارسال الخبر الى: