أشرف العشماوي أسرار السلطة والطبقة في كلمات متقاطعة
يختار الكاتب المصري أشرف العشماوي الكلمات المتقاطعة لتمثل نوعاً من الفلسفة البصرية والموضوعية التي تُدار من خلالها حيوات الشخوص، وتتشابك المصائر عبر المربعات البيضاء والسوداء، إذ يتحوّل البحث عن الحروف الضائعة إلى رحلة للسيطرة على حيوات الآخرين، أو السقوط في فخاخ تلاعب أكبر. توظيف الكلمات المتقاطعة في روايته مواليد حديقة الحيوان (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2024)، يبدو أشبه بلعبة مسلية في ظاهرها، لكنها في العمق خطة محكمة لإبقاء كل لاعب في مربعه المحدد، مانعة إياه من القفز خارج السطور، لتظل الحقيقة كاملة في القلوب، ومنقوصة على الورق.
تظهر عناوين الفصول في العمل مصاغة بطريقة الإرشادات التقليدية التي تُوجه حلال الأحاجي، فتتحول تلك العناوين إلى مفاتيح مشفرة تشير إلى مضمون الفصل وتعبّر بعمق عن الحالة الشعورية للشخصيات. تصبح القراءة هنا تورطاً واعياً في فك الشفرات، إذ يعكس الحل المكتشف داخل السطور المأزق الوجودي الذي تعيشه الشخصية، إذ المربعات السوداء تمثل تلك الحواجز الطبقية والسياسية والاجتماعية التي تحول دون تحقق الانعتاق.
هذا التناظر بين الشكل والمضمون يمنح العمل طاقة نقدية حادة؛ فالشخصيات تفقد قدرتها على الحركة الحرة خارج الخطوط المرسومة لها، وكأنها حُبست داخل شبكة الورق، محكومة بتقاطعات رأسية وأفقية صاغتها قوى مهيمنة تفوقها قدرة ونفوذاً.
تتحرك الروايات القصيرة الثلاث التي تتشكّل منها الرواية في فلك فكرة كبش الفداء، إذ يبرز التلاعب بالمصائر سمة عامة تتبادلها الأجيال. في الرواية الأولى كابينة لا ترى البحر نجد الجد غارقاً في حل الكلمات المتقاطعة، لكنه غارق أيضاً في لعبة تلاعب حقيقية. لقد ارتضى الجد أن يُودَع السجن مرتين بدلاً من صديقه الباشا الثري، مستخدماً عبارة تمويهية يطلق عليها: السفر إلى ليبيا غطاء للفساد وتبريراً لتقاضي الأموال. هذا الإذعان لا يتوقف عنده، بل يورثه تقنياً إلى حفيده عارف، في زجّ مأساوي يطلب فيه منه الاعتراف بقتل شقيقته بجرعة مخدرات زائدة لإنقاذ ابن الباشا. يبرر الجد مأساة الحفيد بكونه فعل الشيء ذاته سابقاً، معتبراً هذا الخنوع الطريقة الوحيدة المتاحة لأمثالهم للخروج من دوائر الفقر، أو قبول
ارسال الخبر الى: