العربية في يومها العالمي سكينة الحرف وعزة المعنى كتب دعاء هزاع الجابري

ان اللغة العربية ليست مجرد أداة تواصل ، ولا وعاء محايدا للأفكار بل هي كيان حي يتنفس بنا ، هي الذاكرة حين تخوننا الأزمنة ، وهي البوصلة حين تتكاثر الطرق وتضيع الاتجاهات ، في عالم تتزاحم فيه اللغات على النفوذ ، وتقاس فيه القيمة بمنطق الاستهلاك والسرعة ، هنا تقف لغة الضاد بوصفها الأسمى ، والأرقى ، والأبقى ، لا لأنها الاقدم فحسب بل لأنها الأعمق أثرا في تشكيل الوعي والهوية والمعنى
ففي لغة الضاد نهجنا ودستورنا الحاضن لنا ، فقد ابتدأت بقرآننا العظيم ، فأصبحت قدسيتها من قداسة الوحي ، وصار حرفها شاهدا على الاعجاز الإلهي حين نزل بلسان عربي مبين ، ثم مررنا بها عبر تاريخنا النديم فكانت مخزن الذاكرة الجمعية التي لم تمح رغم الغزوات والانكسارات ، فبها صيغت القوانين ، وارتفعت منابر الفكر والفلسفة والشعر ، حتى وصلنا بها الى حاضرنا السديم ، حاضر تتلبده الاسئلة ، وتثقل كاهله التحولات ، لتتجلى هنا اللغة العربية لا بوصفها حنينا للماضي بل رؤية للمستقبل ، فمن يظن بأن التقدم يقتضي التنازل عن اللغة يخلط بين الوسيلة والجوهر ، فالعربية قادرة على احتضان العلم كما احتضنت الفلسفة منذ ازمانها وقادرة على مجاراة العصر دون ان تفقد اصالتها فهل يمكن للمعنى أن يبلغ تمامه لو لم يصغ في اتساع دلالاتها ، وفي قدرتها العجيبة على حمل المطلق دون أن تنكسر قامتها ؟
ان العربية لم تكن شاهدا على التاريخ فحسب بل كانت صانعة له ، ومحركة لعقله وروحه في أن واحد ، فهي أمنا ومهدنا وعالمنا ، هي التي تشد أزرنا عند حديثنا ، وتمنح وسام العزة لاقلامنا ، هي الروح إن نطقنا وهي السكينة إن صمتنا ، فلا قوافي تصدح دون شعرائها ، ولا مدن تبنى دون عوالمها ، ولا أفكار تخلد إن لم تجد في حروفها مأوى ، و هي إبحار الزمان ومرساه لنا وأرشيف لا يصدأ وعبق لا يوارى
ففي مضمونها اللباقة حين يضيق القول ، وفي
ارسال الخبر الى: