العرب بين إيران وإسرائيل
منذ سنوات، لم يعد الصراع في المنطقة يُقرأ بالمعايير القديمة نفسها. فالقضية التي كانت لعقود طويلة بوصلة الوعي العربي والإسلامي، أي الصراع مع إسرائيل، لم تعد تحظى اليوم بالإجماع نفسه في الخطاب الشعبي كما كانت في السابق. ومع كلّ تصعيد جديد بين إسرائيل وإيران، يظهر انقسام لافت داخل المجتمعات العربية والإسلامية: أصوات لا تتردّد في إظهار التعاطف مع إسرائيل، لا حبًا فيها، بل نكايةً بإيران.
هذه المفارقة تكشف تحوّلًا عميقًا في الوعي السياسي في المنطقة. فالصراع لم يعد يُفهم دائمًا من زاوية الاحتلال والحقوق، بل أصبح في كثير من الأحيان يُقرأ من خلال عدسة طائفية حادة: سُنّة في مواجهة شيعة، ومحاور إقليمية تتصارع على النفوذ. وهكذا تحوّلت قضايا كبرى إلى مجرّد فصول في صراع الهُويّات، حيث تختلط السياسة بالعقيدة، ويصبح تحديد العدو مسألة انتماء مذهبي أكثر منه موقفًا مبدئيًا.
وفي خضم هذه التحوّلات يبقى التساؤل المُقلق: كيف يمكن للانقسام الطائفي أن يُعيد تشكيل مواقف شعوب كاملة من صراعات بدت لسنوات طويلة واضحة المعالم، حتى يصبح الخلاف مع إيران عاملًا يُعيد ترتيب أولويات العداء في المنطقة؟
(1): الطائفية كعدسة للنظر إلى السياسة
كلّما تصاعد التوتّر بين إسرائيل وإيران، تحوّل النقاش سريعًا من سؤال السياسة إلى سؤال الطائفة: من يقف مع السُنّة ومن يقف مع الشيعة؟ وكأنّ الصراع كلّه يمكن اختزاله في هذه الثنائية الضيقة.
وبهذه الطريقة تراجعت الأسئلة الجوهرية تدريجيًا: من المعتدي؟ من الضحية؟ وما مصلحة الشعوب أصلًا في هذا الصراع؟ شيئًا فشيئًا لتحلّ محلها أسئلة أخرى تتعلّق بالهُويّة والانتماء. ومع مرور الوقت، يصبح الموقف من الحرب أقرب إلى انعكاس للهُويّة المذهبية منه إلى نتيجة قراءة سياسية هادئة للواقع.
تحوّلت قضايا كبرى إلى مجرّد فصول في صراع الهويات
وهكذا تتحوّل قضايا مُعقّدة إلى اصطفافات بسيطة، وتصبح السياسة امتدادًا للانقسام الطائفي، لا مجالًا للنقاش العقلاني أو لتحديد المواقف على أساس المبادئ. وفي مثل هذا المناخ، يسهل أن تنقلب الأولويات، وأن يجد بعض الخطاب العربي نفسه يحدّد عداءه أو تعاطفه وفق الطائفة، لا
ارسال الخبر الى: