في مشهد لم تألفه محافظة ديالى شرقي بغداد منذ سنوات طويلة تحولت مساحات شاسعة من أراضيها الزراعية وبساتينها المثمرة إلى بحيرات ممتدة بعدما اجتاحت موجات من السيول والفيضانات مناطق واسعة تاركة خلفها خسائر فادحة في واحدة من أهم السلال الزراعية في العراق nbsp ولم تكن الأمطار الأخيرة التي شهدتها البلاد ولا سيما في مناطق الشمال والشمال الشرقي مجرد حالة جوية عابرة بل جاءت محملة بتداعيات ثقيلة على المزارعين الذين وجدوا أنفسهم أمام كارثة مفاجئة التهمت محاصيلهم وأغرقت تعب سنوات في ساعات قليلة وسط عجز واضح عن احتواء المياه أو تصريفها ومع انحسار المياه تدريجيا بدأت تتكشف صورة أكثر قسوة حيث غمرت الفيضانات البساتين وأتلفت الحقول وأغرقت مشاريع زراعية متكاملة كانت تمثل مصدر رزق لآلاف الأسر في المحافظة وفي السياق يصف المزارع أحمد شهاب ما آل إليه حال أرضه قائلا لـالعربي الجديد إنها تحولت إلى مستنقع واسع لا تكاد ترى أطراف الأشجار الغارقة ويضيف لم يبق شيء بستاني بالكامل انتهى وكذلك بساتين إخوتي وأبناء عمي كنا نملك أشجار برتقال وليمون ومشمش وأشجار فاكهة أخرى هذه الأشجار كانت مصدر دخلنا ويتابع لم نخسر الثمار فقط بل حتى الأشجار نفسها تعرضت للتلف إذ اختنقت جذورها بالمياه من جهته يتحدث ابن عم أحمد مبينا كنا ننتظر هذا الموسم لتعويض توسعة بساتيننا حيث بادرنا خلال العامين الماضيين إلى زراعة نحو 5 آلاف شتلة فاكهة من التفاح والرمان لكن كل شيء ضاع ويمضي عماد داود في حديثه لـالعربي الجديد موضحا نحن عائلة كبيرة نعتمد على هذه البساتين كنا نخطط لتوسيع الزراعة هذا العام لكن الآن لا نعرف من أين نبدأ إعادة زراعة الأشجار تحتاج سنوات وليس لدينا مورد آخر وما ذكره أحمد وعماد لا يعكس فقط خسارة محصول بل انهيار دورة اقتصادية كاملة لمجموعة من العائلات التي كانت تعتمد بشكل شبه كامل على إنتاج الحمضيات والفواكه الموسمية من جانبه يوضح المزارع ساجد المندلاوي حجم الدمار الذي لحق بحقول الزراعة المغطاة مبينا أن الفيضان لم يدمر المحصول فقط بل دمر البنية التحتية بالكامل ويضيف في حديثه لـالعربي الجديد البيوت البلاستيكية انهارت وأنظمة الري تعطلت والمعدات غمرت بالمياه لقد خسرت موسما كاملا لكن الخسارة الأكبر هي كلفة إعادة التأهيل وبحسب تقديراته فإنه يحتاج إلى أكثر من 100 مليون دينار عراقي أكثر من 76 ألف دولار لإعادة الأرض كما كانت من شراء مواد جديدة وإصلاح الأنظمة وتعويض المعدات ويشير إلى أن هذا النوع من الزراعة يعتمد على استثمارات عالية موضحا أن الزراعة المغطاة ليست بسيطة بل مشروع متكامل حين يتدمر لا يمكن تعويضه بسهولة نحن لا نخسر موسما فقط بل نخسر سنوات من العمل ولا يختلف الحال لدى المزارع صادق العامري الذي يتحدث بألم عن بستانه مؤكدا لـالعربي الجديد أنه كان يضم أجود أنواع أشجار التفاح والحمضيات والخوخ والمشمش والعنب والتين بالإضافة إلى بستان صغير لأشجار الزيتون ويضيف كل عام كنت أصدر إنتاجي إلى محافظات أخرى هذا البستان كان معروفا بجودته ويستعيد تفاصيل حياته اليومية قائلا كنا نعمل أنا وإخوتي الثلاثة في هذا البستان هو مصدر رزقنا الوحيد نعيش منه ونصرف على عوائلنا ويتابع الآن كل شيء انتهى الأشجار تضررت والمحاصيل تلفت حتى لو عادت الأرض للحياة نحتاج وقتا طويلا لنعود كما كنا ويؤكد العامري أن الخسارة ليست مادية فقط مضيفا هذا البستان هو تاريخنا وتعب عشرات السنين فقد ورثناه عن والدنا فقدانه ليس سهلا الخسائر لم تقتصر على المزارعين بل طاولت أيضا المستثمرين في القطاع الزراعي وهو ما يؤكده جاسم شكر الذي خسر أكثر من 300 مليون دينار عراقي نحو 229 ألف دولار خلال هذه الفيضانات ويشير شكر في حديثه لـالعربي الجديد إلى أن مشروعه كان متكاملا يضم بستان فاكهة ومنحلا وأحواض أسماك وحقل دواجن وقد دشنه قبل أكثر من عشر سنوات ويقول كنت أطور المشروع تدريجيا وأعيد استثمار الأرباح لتوسيعه في الفترة الأخيرة كنت أستعد لإطلاق المرحلة الثالثة التي تشمل إنشاء دور سياحية داخل المشروع وبينما تتكشف خسائر المزارعين والمستثمرين تظهر تداعيات أخرى تمس فئات أوسع من السكان يقول عمر فارس أحد العمال الذين كانوا يعملون بأجر يومي في البساتين كنت أعمل في جني المحاصيل وهذا مصدر رزقي الوحيد ربما سنجد عملا الآن في رفع مخلفات الفيضان لكنه عمل مؤلم نفسيا لأننا كنا سابقا نساهم في نجاح إنتاج هذه البساتين من جهة أخرى يتحدث شاب كان يعتمد هو وعدد من أقرانه على شراء المحاصيل مباشرة من البساتين وبيعها على جانبي الطرق العامة التي تربط ديالى بالمحافظات الأخرى قائلا هذه البساتين مصدر دخلنا قد نتمكن من الحصول على محاصيل من مناطق أخرى لم تتضرر لكن بالنسبة لي ولكثيرين غيري نحن منذ سنوات ملتزمون مع هذه البساتين ولدينا أفضلية في السعر والمحصول بهذا لا تبدو فيضانات ديالى مجرد كارثة طبيعية عابرة بل أزمة مركبة طاولت الزراعة والاستثمار والعمل اليومي ووضعت آلاف العائلات أمام مستقبل غامض في واحدة من أكثر المحافظات العراقية اعتمادا على القطاع الزراعي