العراق الاندماج الشعبي يتغلب على الخطاب التحريضي الحزبي

63 مشاهدة
يميل العراقيون إلى الاندماج والتعايش السلمي ما يعكس وعيا شعبيا وعشائريا بأن خطاب الكراهية والانقسام لا يخدم سوى أطراف سياسية معينة بعد أكثر من عقدين على التغيير السياسي الذي شهده العراق عام 2003 تبدو الخريطة الاجتماعية للبلاد اليوم مختلفة عما كانت عليه في سنوات العنف والانقسام فبينما دفعت السياسات والصراعات الطائفية والمناطقية ولا سيما خلال الأعوام الممتدة من 2006 وإلى 2014 باتجاه عزل الأحياء والمدن على أسس مذهبية وقومية يشهد العراق في السنوات الأخيرة تصاعدا ملحوظا في الاندماج المناطقي بين مكوناته في مسار اجتماعي يعكس تفوقا اجتماعيا للعراقيين يتقدم على الخطاب التحريضي الذي تبنته قوى وأحزاب سياسية وفصائل وجماعات مسلحة عقب عام 2003 ومع تصاعد أعمال العنف وعمليات القتل على الهوية والتفجيرات والقصف المناطقي أعيد رسم واقع المدن العراقية قسرا إذ باتت مناطق بأكملها في العاصمة بغداد ومحافظات أخرى تصنف باعتبارها سنية أو شيعية وأخرى أفرغت من سكانها الأصليين بفعل التهديد والخوف بينما انحازت الأقليات إلى مناطق بعيدة وتضاءلت أعداد أخرى بفعل الهجرة والنزوح والترهيب والتضييق على الحريات هذا الانقسام لم يكن وليد المصادفة بل جاء نتيجة خطاب تحريضي وسياسات أمنية وإدارية أسهمت في ترسيخ العزل المناطقي خصوصا خلال فترة حكومتي نوري المالكي بين عامي 2006 و2014 حيث سجلت أعلى معدلات العنف والانقسام المجتمعي كانت النتائج آنذاك قاسية على النسيج الاجتماعي العراقي إذ تقطعت أوصال المجتمع وتراجعت العلاقات بين المكونات وانغلقت الأحياء على نفسها ما ولد أزمات نفسية واقتصادية واجتماعية ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم غير أن هذا الواقع لم يستمر على حاله ومنذ أعوام عدة ومع تراجع حدة العنف المسلح وانحسار التفجيرات والصراعات المفتوحة بدأ مسار مختلف يتشكل على الأرض عراقيون كثر عادوا تدريجيا إلى مناطقهم الأصلية وأعيد فتح الأحياء المختلطة وبدأت العائلات تتجاوز مخاوف الماضي هذا الاندماج لم يكن نتيجة قرارات سياسية مركزية بقدر ما كان انعكاسا لوعي شعبي أدرك أن الانقسام لا يخدم سوى القوى التي استثمرت فيه وخلال السنوات الأخيرة تسارعت وتيرة هذا الاندماج حتى بات من الصعب اليوم تحديد منطقة خالصة لمكون واحد فقط سواء في بغداد أو في المحافظات الأخرى ويؤكد مسؤول أمني عراقي رفيع المستوى طلب عدم ذكر اسمه أن المعلومات الأمنية عن مناطق البلاد وسكانها تؤشر إلى تسجيل نسب اندماج مرتفعة مقارنة بسنوات سابقة وأن هذا الاندماج الحاصل يجري بشكل تلقائي من دون فرض أو تدخل مباشر مضيفا لـالعربي الجديد أن حركة العودة إلى المناطق الأصلية وشراء المنازل والسكن المشترك تعكس تحولا حقيقيا في سلوك المجتمع nbsp وإلى جانب تراجع أعمال العنف لعبت العشائر الأصلية دورا محوريا في تثبيت دعائم السلم المجتمعي ففي كثير من المناطق كانت الأعراف العشائرية عامل تهدئة وضمانة لعدم عودة الصراعات وأسهم شيوخ العشائر في إعادة ترميم العلاقات بين العائلات والمكونات المختلفة ويقول الشيخ همام الجبوري لـالعربي الجديد إن العراقيين لا يتقبلون خطاب الكراهية الذي زرعته أطراف سياسية معينة وإن العشائر وقفت بوجه محاولات زرع الفرقة لأن استقرار المجتمع مصلحة للجميع وانتقد بشدة الخطاب التحريضي الذي تبنته أحزاب ومليشيات لسنوات طويلة وسعت من خلاله إلى عزل المناطق وإدامة الانقسام خدمة لأجندتها وقد شكل كشف الحقيقة الخفية خلف الخطاب التحريضي للأحزاب الحاكمة دليلا دامغا للرأي العام بأن خطاب التحريض الطائفي والمناطقي لم يكن سوى أداة سياسية لإدامة النفوذ والسلطة وقد أسهم هذا الإدراك أيضا في تراجع تأثير تلك الخطابات شعبيا خصوصا لدى الأجيال الشابة التي باتت أكثر انفتاحا ورفضا للتصنيفات الضيقة ويرى الناشط المدني حسين الهيازعي أن الاندماج المناطقي اليوم هو نتيجة وعي تراكمي وليس حدثا مفاجئا مضيفا لـالعربي الجديد أن العراقيين جربوا الانقسام ودفعوا ثمنه دما وخسارة وعدم استقرار لذلك قرروا اختيار العيش المشترك بعيدا عن تحريض الأحزاب ويشير إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي رغم ما تحمله أحيانا من خطاب متشنج أسهمت أيضا في فضح التناقض بين خطاب السياسيين وواقع المجتمع ويؤكد مواطنون من مناطق مختلفة في العراق أن التعايش اليومي أعاد بناء الثقة المفقودة ويقول أحد سكان بغداد إن الجيرة والعلاقات الإنسانية عادت أقوى مما كانت والناس لم تعد تسأل عن الانتماء بقدر ما تهتم بالاحترام والتعاون ويرى آخر أن ما فشلت السياسة في تحقيقه أنجزه المجتمع بنفسه ورغم هذا التقدم لا تزال هناك مناطق محدودة لم تشهد عودة للاندماج وهي في الغالب المناطق التي تخضع لسيطرة فصائل مسلحة معروفة سيطرت عليها بعد تحريرها من تنظيم داعش حيث جرى تهجير أهلها الأصليين ومنعتهم الفصائل من العودة رغم كل المحاولات غير أن هذه المناطق باتت معروفة لدى الجميع وتبقى استثناء مقارنة بالصورة العامة التي تميل اليوم إلى صالح التعايش في المحصلة يقدم الاندماج المناطقي المتصاعد في العراق نموذجا لقدرة المجتمع على التعافي حتى بعد سنوات طويلة من العنف والتحريض وهو مسار يؤكد أن وعي الأهالي ودور العشائر وتراجع العنف ووضوح حقيقة الخطاب التحريضي وأهدافه كلها عوامل أسهمت في استعادة جزء مهم من النسيج الاجتماعي وبينما تستمر بعض التحديات يبدو في نظر كثيرين أن المجتمع العراقي اختار أن يتقدم بخطاه بعيدا عن تأثيرات السياسة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح