العدوان على لبنان عيون عربية تنحاز إلى ما تراه

50 مشاهدة
مع اندلاع العدوان الإسرائيلي على لبنان مطلع مارس آذار الماضي تسارعت وتيرة التغطية الإعلامية ودفعت المؤسسات الإخبارية بمراسليها إلى الميدان لمواكبة تطورات الحرب لحظة بلحظة على الأرض تشكل مشهد صحافي متنوع يجمع بين مراسلين محليين وآخرين أجانب موزعين على وكالات دولية وشبكات إخبارية إقليمية وعالمية مع حضور لافت لمراسلين عرب قدموا من بلدان مختلفة لتغطية الحدث وفي حين أن التحديات التي تواجه هؤلاء المراسلين العرب قد تتقاطع وتتشابه في أحيان كثيرة مع ما يواجهه أي مراسل ميداني آخر إلا أن خصوصية موقعهم المهني والإنساني تمنح تجربتهم ملمحا مختلفا قرب يسهل الوصول إلى الناس وغربة قد تفرض حدودا على الإحاطة بمجريات الأحداث وحرية الحركة يقف هؤلاء في منطقة وسطى بين المراسلين المحليين والأجانب من غير الناطقين بالعربية فهم من جهة يتشاركون مع السكان في اللغة كما أنهم أقدر على الإحاطة بالثقافة المحلية من الصحافيين الأجانب لكنهم من جهة أخرى يظلون غرباء عن المشهد المحلي السياسي والاجتماعي بالمقارنة مع نظرائهم اللبنانيين وتكشف المقابلات مع ثلاثة مراسلين عرب غطوا الحرب الماضية في العام 2024 ويغطون الحرب الحالية أن هذه المنطقة الوسطى ليست مجرد وصف نظري بل تظهر يوميا في التعامل مع الناس وفي فهم التعقيدات السياسية اللبنانية وفي مواجهة الخطر وحتى خارج ساعات التغطية حرب 2024 اختبار تحت النار كانت حرب الـ66 يوما في خريف 2024 أول صراع عسكري تغطيه مراسلة التلفزيون العربي هديل نماس ومع اندلاع جولة جديدة من العدوان الإسرائيلي على لبنان في مارس الماضي لم تتردد الصحافية الأردنية في العودة من عمان إلى بيروت من أجل تغطية الأحداث في رحلة برية وثقتها بمقطع على إنستغرام تعتبر نماس أن تجربة تغطية الحرب كانت لحظة فارقة في مسيرتها فهي لم تكن مجرد انتقال مهني إلى نوع جديد من التغطيات بل شكلت تحولا في طريقة فهمها لدورها مراسلة صحافية تقول إن حرب غزة كانت لحظة مفصلية بالنسبة إليها مضيفة عندما وصلت إلى لبنان وتوجهت للتغطية من الجبهات شعرت بأنني أؤدي واجبي بخلاف التغطيات اليومية العادية تختبر التغطية الميدانية في الحرب قدرة الصحافي على التكيف السريع في بيئة خطرة ومفتوحة على الاحتمالات بالنسبة إلى نماس كانت الحرب الأولى تجربة مهنية مهمة فهي من جهة أتاحت لها اكتساب معرفة أكبر بلبنان من الناحية الجغرافية وكذلك تركيبته الاجتماعية والسياسية ومن جهة أخرى تعلمت من خلالها كيفية العمل في مناطق النزاع والتحرك تحت التهديد تشير نماس إلى أن الصحافي غير اللبناني لا يستطيع أن يكتفي بالوصول إلى مكان الحدث والبدء بالتصوير بل عليه أن يفهم طبيعة المنطقة التي يعمل فيها وخصوصياتها وتركيباتها السياسية مشيرة إلى أن لبنان شديد الخصوصية وتوضح أن هذه الخصوصية لا تظهر فقط في المشهد العام بل أيضا في تفاصيل العمل الميداني إذ قد يتطلب التصوير تنسيقا مع جهات حكومية وحزبية تختلف من منطقة إلى أخرى على عكس سياقات أخرى تكون فيها الإجراءات أبسط وأكثر مباشرة كما هو الحال في بلدها الأردن تكشف هذه الملاحظة عن فارق أعمق بين المعرفة النظرية والتجربة العملية فمع أن اللغة المشتركة والتقارب الاجتماعي والثقافي يمنحان المراسل العربي بعض الأفضلية فإنهما لا يغنيان عن خبرة ميدانية تساعده على فهم آليات الحركة والتنسيق والتعامل مع التحولات التي تفرضها الحرب من جهته يقدم مراسل تلفزيون العربي أحمد حسين رأيا مشابها بالنسبة إليه لا يكفي أن يقرأ الصحافي عن لبنان ويتابع أخباره ليكون فهما كافيا بالبلاد منبها إلى وجود مسافة كبيرة بين المعرفة النظرية وتلك التي تنتج من المعايشة اليومية مضيفا مهما كانت معرفتك النظرية عميقة بأحوال لبنان فإنها لن تتجاوز الـ50 والـ50 الأخرى ستتعلمها بالتجربة المباشرة واليومية يرى الصحافي المصري أن الاحتكاك بالناس والتعرف إلى وجهات النظر المختلفة يتيحان فهما أعمق لطبيعة الانقسام السياسي الحاد في لبنان ويساعدان على تقديم تغطية أكثر توازنا وهو ما يوافق عليه الصحافي المصري المستقل عادل المحروقي يشير المراسل الذي غطى الحرب السابقة إلى أن معرفته بلبنان تكونت عبر التراكم والمعايشة أكثر من القراءة وحدها لافتا إلى أنه زار بيروت مرارا ما ساعده على تكوين فهم أوسع لطبيعة البلد والصراعات القائمة فيه بالنسبة إليه لبنان نموذج مصغر جدا عن العالم العربي لكن على رقعة جغرافية صغيرة بما يضمه من آراء ومواقف سياسية وفكرية واجتماعية شديدة التنوع والتناقض مع ذلك لم تغنه المتابعة الطويلة عن التعلم المباشر في الميدان خاصة في ظرف الحرب اللغة معبر لبناء الثقة في أحاديث المراسلين الثلاثة تظهر العربية لغة مشتركة بوصفها الوسيلة الأولى لبناء الثقة مع السكان المحليين في موقع الحدث تقول هديل نماس إنها لم تواجه أي موقف عدائي في تجربتيها الأولى والثانية مضيفة في كل المناطق التي زرتها خلال التغطية كان الناس مرحبين لافتة إلى أن المراسلين غير الناطقين بالعربية القادمين من دول غربية قد يكونون أكثر عرضة للتشكيك من الناس من جهته يشير أحمد حسين إلى أن جنسية المراسل وهوية المؤسسة الإعلامية التي يعمل لصالحها تؤثران سلبا أو إيجابا على كيفية التعامل معه وتابع في تجربتي الشخصية كوني مصريا وأعمل في تلفزيون العربي كانا عاملين مساعدين ويمضي أبعد من ذلك مشيرا إلى أنه شعر أحيانا بأنه يعامل معاملة تفضيلية مقارنة بزملائه اللبنانيين فقط لأنه مصري وينظر إليه بوصفه ضيفا في البلد وفيما يؤكد عادل المحروقي حسن الضيافة في لبنان يشير إلى دور إتقان اللغة العربية في جعل المراسل أكثر وعيا وإدراكا بما يجري من حوله وعلى تماس أكبر مع الناس كما أنها مفيدة جدا في حالات الخطر في مرمى الخطر لا تغير حفاوة الترحيب هشاشة الموقع الذي يكون فيه المراسل العربي كغيره من المراسلين الميدانيين بالنسبة إلى أحمد حسين فإن الفرق الأكبر بين التغطية الميدانية في الحرب وفي الأوقات العادية هو فكرة الخطر غير المعروف وقته موضحا أن الصحافي قد يكون منهمكا في تصوير مشهد في موقع يبدو آمنا ومن ثم تقع غارة دون سابق إنذار وفي حين يشدد على أهمية اتباع قواعد السلامة والحماية الشخصية إلا أنه يلفت إلى أنها قد لا تكون كافية في ظل التبدلات المتسارعة في الوضع الميداني خصوصا مع استهداف جيش الاحتلال للصحافيين أكثر من مرة أما عادل المحروقي فيلفت إلى أن وجود جانب أمني لا يستهان به في التغطية الحربية يشكل فارقا مهما مع التغطيات الأخرى كما أن الخطط التحريرية كثيرا ما تنهار تحت ضغط التطورات الآنية وينبه إلى أن المخاطر لا تنحصر في التعرض لاستهداف مباشر أو غير مباشر من جيش الاحتلال ولكنها تشمل العمل في الشارع خلال لحظات الصدمة حين قد لا يرغب بعض الناس أو الجهات السياسية أو الأمنية بوجود الإعلام ما قد يضطر المراسل إلى التعامل مع ردات فعل غاضبة وانفعالية الخبرة الضرورية يرى المراسلون الثلاثة أن تجربتهم في الحرب السابقة منحتهم خبرة ضرورية ساعدتهم عند عودتهم لتغطية الجولة الثانية من الحرب يعترف المحروقي بأن قلة خبرته في البداية جعلته يجد نفسه أكثر من مرة في أماكن معرضة للقصف لكنه طور لاحقا متابعته للإنذارات والتحذيرات من مصادرها كما يشير إلى أنه صار أكثر دراية بكيفية إتمام الإجراءات الحكومية والحصول على تراخيص والتنسيق مع الجهات الأمنية والسياسية المختلفة وفي حين تشير هديل نماس إلى أنها صارت قادرة على التحرك بمفردها مع المصور خلال التغطية يؤكد المحروقي أهمية وجود فيكسر لبناني وهو مرافق يتولى مساعدة المراسل في التنقل والتنسيق وفهم تفاصيل المكان عند العمل في جنوب لبنان أو المناطق الخطرة ويستعيد تعرض مبنى قريب من مستشفى كان يصور فيه للقصف خلال الحرب الماضية في مدينة صور والدور الرئيسي الذي لعبته خبرة الفيكسر المحلي بالمنطقة لإخراجهم سريعا من دائرة الخطر تختبر التغطية الميدانية قدرة الصحافي على التكيف السريع مع الخطر يقول المحروقي إنه في حين تولى المرافق اللبناني قيادة السيارة عبر الطرقات التي يحفظها عن ظهر قلب انصب تركيزه على التصرف بعقلانية والحفاظ على تماسك أعضاء الفريق والامتناع عما قد يفهم استفزازا من السكان تحت وقع الصدمة وهو ما جعله حريصا على عدم التصوير في بعض اللحظات هل من حياد في الحرب يعتبر أحمد حسين أن الحفاظ على الحياد في التغطية أمر صعب مضيفا مع الوقت يكاد الشعور بالمسافة أن يتلاشى وفي كثير من الأحيان أشعر أنني لبناني ويرى أنه مهما حاول الصحافي أن يفصل بين مشاعره الشخصية وبين عمله المهني فإنه لن يصمد أمام ما يراه على الأرض موضحا يمكن الحديث بمهنية وبقدر من التوازن لكن هذا التوازن لا يكون إلا منحازا إلى الإنسان وإلى الإنسانية فلا يمكن تجميل الواقع أو لي الحقائق حين يخرق القانون الدولي ويستهدف المدنيون وترتكب الجرائم بهذا الشكل يتابع الصحافي المصري أكون في موقع قصف يقول الجيش الإسرائيلي إنه استهدف بنى تحتية تابعة لحزب الله بينما أجد بين الأنقاض ألعابا ومؤونة طعام ودفاتر ورسومات لأطفال كانوا يعيشون في هذا المنزل عندها بأي معنى يمكن الحديث عن توازن بالمعنى المجرد ويجيب عندما تكون الحقائق التي تراها أمام عينيك بهذا الوضوح فإن التوازن الذي نمارسه يتمثل في نقل الوقائع كما هي وقد يظن البعض أن هذا انحياز صارخ إلى طرف أو قضية لكنه في الحقيقة انحياز إلى ما نراه بأعيننا إلى الحقيقة نفسها يخوض المراسلون العرب تجربة مهنية تتجاوز قواعد التغطية التقليدية الحياة خارج التغطية يجمع المراسلون على صعوبة الانفصال عن أجواء الحرب حتى خارج ساعات التغطية فهم يعيشون ما يعيشه غيرهم من سكان المدينة وبحسب عادل المحروقي يزداد تحقيق هذا الفصل كلما كان المراسل أقرب من مكان الخطر مستعيدا كيف اضطر مع صحافيين آخرين للبقاء طوال أيام في مقرهم الإعلامي جنوبي لبنان نتيجة اشتداد الغارات الإسرائيلية على المنطقة أما هديل نماس فتقول إنها لم تملك وقتا لتشعر بالفراغ أو الوحدة خارج ساعات العمل مضيفة شعرت بالاحتواء من عائلات الزملاء الصحافيين الذين يعملون معي وكونت صداقات في كل المناطق التي غطيت الأحداث منها في الجنوب والبقاع وبيروت وتابعت شعوري بالاحتواء لم يكن مجرد تفصيل بل لعب دورا مهما في قدرتي على مواصلة العمل طوال فترة الحرب الماضية والآن في الجولة الثانية من العدوان من جهته يؤكد أحمد حسين أن الصحافيين الذين يعملون في مناطق الحروب يعانون من ضغوط نفسية كبيرة نتيجة تعرضهم المستمر للأخبار السيئة وما يمرون به من مواقف خطيرة أو صعبة على المستوى الإنساني أما على المستوى الشخصي فيشير إلى أنه يتعامل مع الأوقات السيئة بأن يتخيل للحظة أنه صحافي في غزة مضيفا أتذكر زملاءنا الذين ما زالوا في القطاع منذ سنوات ويواصلون عملهم حتى الآن وأسأل نفسي إذا كان هؤلاء قد تمكنوا من الحفاظ على ثباتهم واتزانهم العقلي رغم كل ما عاشوه فإن ما أمر به أنا على صعوبته يظل أقل بكثير مما عاناه الصحافيون هناك حتى على المستوى المهني وحده من دون الحديث عن أوضاعهم الإنسانية والشخصية

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح