في اليوم العالمي للمرأة
يصعب العثور على لغةٍ تليق بالمرأة في يومها العالميّ، خصوصاً تحت الحرب. جفّت الكلمات ولم تعد تُسعفنا بشيء ذي معنى. صار للبلاغة مستودعاتٌ تُفتتَح في الموعد نفسه كل عام: المرأة شريك الرجل، المرأة نصف العالم، لا بدّ من كسر السقف الزجاجي الذي يحول دون حصولها على حقوقها. ثم تُغلق المستودعات البلاغيّة ويُعاد شحن ترساناتها بمواد أكثر فتكاً وتطوّراً وشفافيةً، كي تستمر في تدمير الحياة وخنق الأنفاس ببطء. المفارقة أنّ السقف لم يعد زجاجيّاً فحسب، بل صار إدارياً وثقافياً وأخلاقيّاً، ولم يعد حكراً على جغرافيا بعينها، بل امتدّ كظلّ ثقيل على أغلب بلاد العالم. ما إن تتقدّم المرأة خطوة حتى يعيد المجتمع الذكوري خلطَ الخرائط. ما إن تفتح باباً حتى يُستبدل القفل. ما إن تنتزع قانوناً عادلاً حتى يؤوّله الأقوى على الأرض.
تؤكّد التقارير الدولية، بأرقامها الباردة، أنّ النساء يتعلّمن أكثر ويعملن أكثر ويقتحمن بتفوّقٍ مجالاتٍ كانت حكراً على الرجال. وتحت هذا الهدوء الإحصائي، تنبض حقيقة موجعة: ما انفكّت النساء في أكثر الدول تحضّراً يناضلن من أجل راتب مساوٍ لشهادة مساوية. وثمّة نصوصٌ أخرى تُكتب في الظلّ، من نوع فضائح إبستين، تكشف عن أن معسكر النور نفسه يخفي عتمة كثيفة. أُلغيت أسواق العبيد رسميّاً، نعم، لكن العبودية أعادت تصميم نفسها بلباسٍ أنيق. تغيّرت السياط إلى بطاقات ائتمان، وتحوّلت الأوامر إلى عقود، لكن منطق العبودية والاستعباد بقي كما هو.
يزداد الألم حين تُدَوّي القنابل وتدفع المرأة الثمن أضعافاً مضاعفة. لا فرق إن كانت مبدعة أو أكاديمية أو ربّة بيت. تعيد الحربُ الجميع، والمرأة أكثر من الجميع، إلى النقطة الصفر. يتحوّل بيتُها إلى غرفة طوارئ، وصوتها إلى وسيلة نجاة لأطفال خائفين، وجسدها إلى ساحة اختبار للقسوة. تنهار القوانين في لحظة، وتعود الغرائز السياسية إلى بدائيتها الأولى. وفي لحظة الحرب، تصبح إنجازات العقود الماضية كلّها هامشاً قابلاً للمحو.
تمتلك المجتمعات الذكورية خطاباً جاهزاً لهذا السياق، يُستخرج من الأدراج في كل أزمة: تُباع الوصاية باسم الحماية، والقيود باسم الهوية، والقمع باسم الأمن، والتزمّت باسم الأخلاق.
ارسال الخبر الى: