علي العائد إلى الجنوب

29 مشاهدة

لا يهمّ كثيراً كيف وُقّع وقف إطلاق النار في لبنان، ولا يهمّ من فاوَض من، ومن قدّم تنازلاته بصمت، ومن خرج ليُعلن نصراً أو يبرّر خسارة. لا يهمّ إن بقي الاحتلال في نقاطه جنوباً، أو إن ردّت المقاومة، أو إن تبدّلت خرائط السيطرة على الورق. كلّ ذلك، على أهميته السياسية، يبدو بعيداً، بعيداً جدّاً عن المشهد الحقيقي.

المشهد يبدأ من مكان آخر، من صوت أعرفه جيّداً، من صديقي علي، الذي لا يسأل عن تفاصيل الاتفاق، لا يفتح نشرات الأخبار ليفهم ما جرى. وعلي، ببساطة، يحزم حقائبه. وفي اللحظة التي يُعلن فيها وقف إطلاق النار، لا يفكّر إلّا بشيء واحد: كيف يعود. ليس عودة شاعرية، ولا عودة مؤجّلة، بل عودة فورية، شبه غريزية، كأنّها ردّة فعل جسد يعرف طريقه إلى البيت، حتّى لو كان البيت مُهدّماً.

أحدّثه عن بيان الجيش: ضرورة التريّث، أذكّره بما قاله رئيس مجلس النواب نبيه بري: عدم المغادرة الآن. أحاول أن أزرع في صوته لحظة شك، لحظة انتظار، لحظة خوف. لكنه يردّ عليّ، كما لو أنّني أتحدّث بلغةٍ لا يفهمها: ذهبت عند أخي، أخذت منه الـ(رابيد)… بدنا ننقل الأغراض ونرجع. أقاطعه. أرفع صوتي قليلاً، كأنّني أريد أن أوقظه من حلمه: إسرائيل قصفت صيدا.

يصمت لثانية، أو ربّما لا يصمت، ثم يكمل، بنفس النبرة، بنفس اليقين: ننطلق فجراً… منكون جاهزين، منحمّل أغراضنا، كأنّ القصف خبر عابر، كأنّ الحرب، بكلّ ثقلها، لا تكفي لتأجيل العودة يوماً واحداً.

كأنّ القصف خبر عابر، كأن الحرب، بكلّ ثقلها، لا تكفي لتأجيل العودة يوماً واحداً

عليّ لا يسمعني. أُدرك ذلك متأخّرة. لا يسمعني، كما لا يسمع كثيرون غيري من أهل الجنوب. كأنّ بيننا وبينهم مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بالإحساس المُختلف بالخطر. نحن نرى الخطر حاضراً، وهم يرونه قدراً، نحن نحسبه بالأخبار، وهم يحسبونه بالإيمان.

علي يُخطّط للغد. يُخبرني أنّ الأشجار في أرضه تجمّعت حولها الأعشاب، ويجب تنظيفها. يقول إنّ الجلّ مليء بالفواكه، وإنّ الفول الأخضر حان قطافه. يتحدّث عن الأرض كما لو

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح