الطبول الناطقة
هناك نوع من الطبول الأفريقية يُسمى الطبل الناطق talking drum ظهر أولاً لدى شعب اليوروبا في جنوب غرب نيجيريا، أشهر أنواعه الطبل المعروف باسم دوندون، الذي يشبه الساعة الرملية، وله غشاءان جلديان، تربط بينهما حبال جلدية مشدودة، وسُمّي الناطق لأن طريقة العزف، التي تعتمد علي شد الحبال الجلدية وضرب أحد الغشاءَين بعصا منحنية، تؤدّي إلى تغيير نبرة صوت الطبل بين المنخفضة والمرتفعة، وإلى التنقل بين نبرات صوتية متعدّدة تبعاً لشدة الضغط على الحبال لمحاكاة إيقاع الكلام في اللغة اليوروبية ذات الرتم الإيقاعي، ذلك أن انخفاض الصوت أو ارتفاعه في هذه اللغة ينقل الكلمة من معنى إلى آخر، وهذه كانت وظيفة الطبل الناطق: استخدام نظام صوتي له قواعد مرتبطة مباشرة باللغة المنطوقة، وبالكلام الذي يحفظه العازف، وينقله بضربات محدّدة على الطبل لينطق بها.
كان الطبل الناطق مخصّصاً للاستخدامين، السياسي والديني، في المناسبات والاحتفالات الرسمية. لكن الأهم استخدامه في تأدية قصائد المديح المعروفة باسم أوريكي، وهي نصوصٌ تمدح صاحب السلطة السياسية أو الدينية، وتعدّد مناقبه ومآثره، وتعيد تبييض صورته أمام الجموع، حينما يحدُث شيءٌ ما، يجعل صورة صاحب السلطة مهزوزة نتيجة فشل أو فضيحة أو هزيمة ما.
أعطت هذه المهمّة لعازفي الطبول الناطقة دوراً مهمّاً في تشكيل الخطاب الجمعي لدى شعب اليوروبا، حيث كانت نصوص المديح تعيد إنتاج التصوّر العام عن شرعية السلطة، وتعيد الالتفاف الشعبي الجمعي حول كرسي الحاكم. فالعازف كان يخرج أحياناً عن النص المكتوب، عبر تحكّمه في الأداء الصوتي العلني للنص، فيضيف إيقاعاتٍ صوتيةٍ فيها مديح مضاعف للسلطة، ما جعل دور العازف أكثر تأثيراً من دور كاتب النص، وأكثر حضوراً في المجتمع السياسي.
يلعب المطبّل السياسي في عصرنا الحديث هذا الدور نفسه لعازف الطبل الناطق، لكنه يؤدّي هنا وظيفتي الطبل والعازف، بمعنى أنه يستخدم صوته محاكاةً لصوت الطبل الناطق، فمن خلال نبرة صوته وحدّتها وارتفاعها وانخفاضها يمكننا أن نفهم الرسالة التي يُراد لها أن تصل إلى المجتمع أو إلى فئة منه، فارتفاع صوت المطبّل يدلّ على أن ثمة وقائع
ارسال الخبر الى: