الضجر من النقد
الموقف الطارئ في النظام السوري الحاكم، هو الضجر من النقد، لا النقد الأدبي بالطبع، فهذا يبدو غارقا في رمال النسيان، والإهمال، بل من نقد السياسات. لا يريد سدنة النظام أن ينتقد الصحافي أو الكاتب أو المواطن السلبيات، يجب أن يتغاضى، ويتجاهل ويغمض عينيه واثقاً من أن الأيدي الحكيمة تقوده إلى الرفاه والحياة الطيّبة المشتهاة. حتى الآن يكتفي الحاكم والمسؤولون بالتحذير والتنبيه والإنذار، قبل أن يصلوا، وسوف يصلون حتماً، بسبب البنية، والتكون، والموقف من النقد والاختلاف، إلى المرحلة التالية التي تفتح فيها أبواب السجون.
وريثما يصل الحاكم إلى تلك اللحظة، يتولّى اليوم في سورية مهام الشرطة صحافيون وناشطون ومثقفون يعلنون ضجرهم من النقد، ويلعنون الاختلاف. بحيث يميل المرء إلى أن يطلق على هؤلاء اسم: الشرطة الثقافية، يعيدون صياغة ما تقوله السلطة، إما لإسكات النقد، أو لوضعه في خانة الضرر بالوطن وعرقلة البناء وسوف تضاف إليها اتهامات قديمة موروثة من زمن النظام السابق مثل وهن عزيمة الأمة، وتشويه مقاصد الحكومة، ولا نهاية لهذا الحبل الجرار الذي يلعن النقد.
في كتابه دروس في الأخلاق، يرى إمبرتو إيكو أن هذا النهج ينتسب بقوة إلى التفكير الفاشي، فالنقد مؤشر على الاختلاف، والاختلاف إحدى أدوات المعرفة، بينما هو في رأي الفاشيين خيانة، لأن الأساس الفكري لرفض النقد قائم على احتقار الفرد، وهذا واحد من أبرز ملامح الفاشية، التي تريد أن تمنع الحقوق الفردية عموماً، ومن بين تلك الحقوق: حقّ النقد. والنقد في جوهره عمل فردي ينفذه أفراد قادرون على ملاحظة الأخطاء أو السياسات المعادية للناس، أو الاتجاهات السلطوية الاستبدادية، أو القرارات الطائشة العشوائية المبنية على أهواء المسؤول، أو المحافظ، أو القائد، أو الرئيس. النقد السياسي في جوهره نقد معارض.
الأساس الفكري لرفض النقد قائم على احتقار آخر
من الذين يخافون من النقد؟ من يخطئ كثيراً مثلاً؟ ضيّق الأفق؟ العاجز عن الدفاع عن فكرته أو أسلوبه أو ممارساته السياسية؟ غير الواثق من نفسه ومن سياساته ومواقفه؟ الأخطر من هؤلاء جميعاً، هو من يؤمن بنظرية سياسية أو
ارسال الخبر الى: