الصين تقلب المعادلة كيف هزمت بكين واشنطن في الحرب التجارية
69 مشاهدة
تحولت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة التي بدأت عام 2018 بخلاف على الرسوم الجمركية إلى سباق نفوذ اقتصادي واسع تقوده بكين على موارد الصناعة الحديثة فخلال سبع سنوات من التصعيد أثبتت الصين بحسب بلومبيرغ أنها الطرف القادر على إعادة تعريف أدوات القوة التجارية من خلال السيطرة على المواد الخام التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي العالمي وفي مقدمتها عناصر الأرض النادرة والمعادن الحيوية التي تعد أساس الصناعات التكنولوجية والعسكرية وقالت فورين بوليسي إن النظام الاقتصادي في بكين يدرك أن التجارة ليست مجرد تبادل سلعي بل أداة استراتيجية لإدارة القوة والتأثير ولذلك واصلت الصين بناء منظومة اقتصادية متكاملة تسمح لها بالتحكم في إيقاع الأسواق العالمية دون الحاجة إلى مواجهة مباشرة وتظهر بيانات وزارة التجارة الأميركية أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 660 مليار دولار عام 2024 ما يعكس استمرار اعتماد واشنطن على الواردات الصينية لتشغيل قطاعاتها الصناعية الحساسة من الشرائح الإلكترونية إلى البطاريات الكهربائية غير أن بكين وفقا لـبلومبيرغ حولت هذا الاعتماد إلى نفوذ صامت لكنه فعال مكنها من الحفاظ على موقعها موردا لا يمكن الاستغناء عنه في الصناعات العالمية الحيوية رغم العقوبات والرسوم التي فرضتها واشنطن بكين تمسك بمفتاح الصناعة العالمية وباتت الصين لاعبا محوريا في سلاسل الإمداد الصناعية العالمية بفضل سيطرتها شبه الكاملة على معالجة عناصر الأرض النادرة فبحسب تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS تصل نسبة معالجة هذه المعادن داخل الصين إلى نحو 90 في المائة من المعالجة العالمية ما يمنح بكين قدرة فائقة على التأثير في الأسواق والصناعات الحساسة دون اللجوء إلى مواجهات تجارية مباشرة واستخدمت الصين هذه الموارد أداة ضغط منذ وقت مبكر بحسب مركز الدراسات الاقتصادية الأوروبي CEPR فقد قيدت الصادرات في أزمات مع اليابان عام 2010 ومع الولايات المتحدة عام 2019 وفي أكتوبر تشرين الأول 2025 أعلنت وزارة التجارة الصينية توسيع القيود على تصدير المعادن النادرة لتشمل الغاليوم والجرمانيوم والجرافيت وقال معهد ميركس للأبحاث في تقرير له إن هذه الإجراءات الصينية ليست مؤقتة بل جزء من سياسة طويلة الأمد تهدف إلى إخضاع تدفقات المواد الحيوية للرقابة الوطنية ضمن مفهوم الأمن الصناعي الصيني ووفقا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية USGS لعام 2025 أنتجت الصين نحو 220 ألف طن من عناصر الأرض النادرة أي ما يعادل 70 في المئة من الإنتاج العالمي البالغ قرابة 310 آلاف طن كذلك تستحوذ على أكثر من 85 في المئة من طاقة التكرير والمعالجة حول العالم وهي المرحلة الأكثر حساسية في سلاسل القيمة الصناعية أما من حيث الاحتياطيات فتقدر وزارة الموارد الطبيعية الصينية أن البلاد تمتلك 44 مليون طن من الاحتياطي القابل للاستخراج وهو ما يضعها في المرتبة الأولى عالميا أمام فيتنام وروسيا وفي المقابل تظهر بيانات وزارة الطاقة الأميركية أن الولايات المتحدة لا تمتلك سوى منشأة تكرير واحدة عاملة في كاليفورنيا منجم ماونتن باس بطاقة لا تتجاوز 15 ألف طن سنويا ما يجعلها تعتمد بشكل شبه كامل على الخام أو المواد الوسيطة القادمة من الصين وتشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD إلى أن 20 صناعة استراتيجية أميركية من أشباه الموصلات إلى المركبات الكهربائية تعتمد بنسبة تراوح بين 60 و90 في المائة على الإمدادات الصينية المباشرة أو غير المباشرة وهذه الأرقام بحسب تقرير وكالة الطاقة الدولية IEA الصادر في يوليو تموز 2025 تعني أن أي اضطراب في الإمدادات الصينية قد يرفع الأسعار العالمية للمعادن الحيوية بنسبة تتجاوز 35 في المئة خلال ستة أشهر ويؤثر مباشرة بإنتاج البطاريات ومحركات الطائرات والصناعات الدفاعية في الغرب اتفاق بوسان وفي نهاية أكتوبر تشرين الأول الماضي اجتمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في مدينة بوسان الكورية الجنوبية في خطوة عبرت عنها واشنطن بأنها محاولة لكبح النفوذ الصيني غير أن النتائج العملية لهذا اللقاء أظهرت تحولا في ميزان القوى وخرجت الصين من الطاولة التفاوضية من دون تنازلات جوهرية بل من موقع قوة مستفيدة من أوراق تحكمها في إمدادات الموارد الحيوية بحسب وسائل إعلام أميركية وبعد يومين من المحادثات أصدر البيت الأبيض في الأول من نوفمبر الجاري ورقة حقائق رسمية أعلنت التوصل إلى اتفاق تجاري واقتصادي شامل نصت الوثيقة على التزامات صينية بتعليق تنفيذ القيود التصديرية الموسعة على المعادن النادرة وإصدار تراخيص عامة لتوريد مواد حيوية إلى المستخدمين الأميركيين والغربيين مقابل خفض جزئي في الرسوم الجمركية الأميركية وتأجيل العقوبات المفروضة بموجب المادة 301 حتى نوفمبر تشرين الثاني 2026 لكن ما قدمته واشنطن بوصفه اختراقا تفاوضيا كبيرا قرأته الصحافة الأميركية من زاوية مختلفة فقد وصفت بلومبيرغ الاتفاق بأنه انتصار صيني في الحرب التجارية دون قتال موضحة أن بكين لم تقدم تنازلات جوهرية بل اشترت الوقت لتركيز جهودها على أهداف استراتيجية أهم مثل تايوان والتفوق التكنولوجي واعتبرت أن الولايات المتحدة امتلكت الأضواء لكن الصين سرقت المشهد في إشارة إلى براعة بكين في تحويل مواردها من أداة دفاع إلى سلاح اقتصادي هادئ أعاد صياغة ميدان الحرب التجارية لمصلحتها أما فورين بوليسي فقد أشارت إلى أن بكين خرجت من المفاوضات وهي أكثر ثقة بنفسها بعدما أدركت واشنطن أن الضغط الجمركي لم يعد مجديا في مواجهة دولة تتحكم في شرايين الصناعة الحديثة وأضافت أن الاتفاق أنهى مرحلة الرسوم وبدأ مرحلة الموارد في إشارة إلى تحول أدوات الصراع من السياسات المالية إلى السيطرة على المواد الأولية الحيوية وبذلك مثل اتفاق بوسان ليس نهاية الحرب التجارية بل بداية نظام تفاوضي جديد تفرض فيه الصين الإيقاع الاقتصادي العالمي من موقع المورد الذي لا يمكن الاستغناء عنه فيما اكتفت واشنطن بتهدئة مؤقتة لتجنب اضطراب أسواقها الصناعية في عام انتخابي حساس المكاسب الصينيةnbsp وبحسب بيانات وزارة التجارة الصينية الصادرة في 3 نوفمبر تشرين الثاني الجاري لا يشمل قرار تعليق القيود التصديرية التخلي عن الرقابة على المواد الحيوية بل يهدف إلى ضمان استقرار الأسواق الدولية مع الحفاظ على مصالح الصين الصناعية وهو ما يعني أن بكين احتفظت بالصلاحيات القانونية لإعادة تفعيل القيود في أي وقت وأن عنصر المفاجأة الاستراتيجي ظل بيدها وفي الوقت ذاته أظهرت بيانات الجمارك الصينية لشهر نوفمبر الجاري ارتفاع صادرات المعادن النادرة بنسبة 6 8 في المائة مقارنة بالشهر السابق ما يشير إلى عودة النشاط التجاري إلى وتيرته المعتادة بعد فترة التوتر من دون تأثير يذكر على إيرادات القطاع وبحسب رويترز فقد ساهم هذا الاستقرار في تهدئة الأسواق الصناعية في اليابان وكوريا الجنوبية اللتين تعتمد صناعاتهما التكنولوجية على الإمدادات الصينية من العناصر المغناطيسية أما على صعيد السوق الأميركية فقد انعكس الاتفاق في صورة مؤقتة من الهدوء إذ أظهرت بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي BEA أن العجز التجاري مع الصين لم يتقلص في الربع الأخير من 2025 بل استقر عند مستوى 83 مليار دولار ما يشير إلى أن التغييرات المعلنة لم تحدث تحولا هيكليا في التوازن التجاري بين البلدين ويرى محللون أن أكبر مكسب لبكين لم يكن اقتصاديا مباشرا بل سياسيا إذ أثبتت أنها قادرة على انتزاع تنازلات من الولايات المتحدة عبر إدارة الأزمة لا عبر الصدام وأنها باتت تتحكم في إيقاع الأسواق العالمية من موقع المورد الحاكم بينما تحولت واشنطن إلى المتلقي الذي يسعى لضمان الاستقرار وبهذا عززت الصين صورتها قوة قادرة على تحقيق المكاسب دون مواجهة عسكرية أو مالية مباشرة مستخدمة مزيجا من الانضباط الصناعي والسياسات المرحلية وهو ما وصفته بلومبيرغ إيكونوميكس بأنه استراتيجية صبر استراتيجي أعادت توجيه مسار الحرب التجارية لمصلحتها على المدى الطويل