الصراع ثم الصراع
تنشطُ نزعة الصراع في معظم العلاقات الاجتماعية في المنطقة العربية، وتسطو أحيانًا على ماهية العلاقة وتستأثر بها وتوجّهها إلى ما لا تُحمد عقباه، بل تنفصل تمامًا عن الحكمة من بنائها. ثمّة تجليات متعدّدة تُحيل على هذا الطرح وتتوزّع على جميع المستويات الفردية والجماعية والخاصة والمهنية في المعاملات، والسلوكات وردّات الفعل.
بادئ ذي بدء، نتقاسم مع القارئ الكريم مجموعة من التجليات وندعوه إلى التمعّن في القواسم المشتركة بينها، تمهيدًا إلى تدبّر الطرح الذي قدّمناه. ولهذا ننطلق من الأسرة، وفي قلب تجربة الزواج، حيث يسعى كلّ طرف إلى بسط الهيمنة عوض الاحتكام إلى كلّ ما هو تشاركي بنّاء، نحو رؤية موحّدة ترضي جميع الأطراف وتوظّف الطاقات الذهنية والنفسية والمادية والمعنوية لدى الطرفين. بل تتأسّس التجربة على سوء النية والأحكام المُسبقة والخلفيات الذهنية، ويستمر مسلسل بسط السيطرة والشدّ والجذب وجسّ النبض على مدى حياة التجربة. وفي الحوار بين طرفين أو أكثر، يسعى كلّ متحدّث إلى فرض الرأي الشخصي والميل إلى إقناع الآخرين من دون الاكثرات بالنقد أو محاولة فهم الآراء الأخرى، إذ يُعتبر التشكيك في الرأي أو مساءلته ضعفًا وانكسارًا وخضوعًا، ويتم الاستغناء عن الموضوعية مقابل الارتكان إلى الشخصنة والحسابات الضيّقة ليظلّ بذلك النقاش عقيمًا ومن دون جدوى.
حقيقة، عند الاختلاف يكفي التمعّن في نوعية الألفاظ والعبارات المُستعملة وكيفية تغيّر لغة الجسد التي ترصد بجلاء واقع العنف والعدوانية وسطوة الوجدان. عند وقوع خلاف معيّن لسبب ما، نادرًا ما يُقبل أحد الطرفين على مبادرة الاعتذار لتجنّب الإحساس بالضعف والاستصغار والاستضعاف والاحتقار. وفي العمل، تسود فكرة الصراع بين الرئيس والمرؤوس، بل حتى بين زملاء العمل أنفسهم، وتشيع الدسيسة والحقد والإيقاع من أجل تحصيل بعض الامتيازات أو الظفر بالترقية أو حبًّا في تدمير الآخرين، في استجابة تلقائية لثقافة الهدم السائدة والنشيطة بشكل رهيب.
تحوّلت العلاقات الاجتماعية إلى مناسبة لتفريغ الغل والشحنات السلبية والخوف واليأس الذي يستوطن النفوس
وفي الممارسة السياسية، ينسحب التركيز إلى التشويه والتضليل وتبادل الاتهامات بدلًا عن الانكباب على بناء البرامج والرؤى وتقوية المؤسسات،
ارسال الخبر الى: