الصحفيون في زمن المليشيا بين القمع والمنفى والتجويع

منذ لحظة اجتياح العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، لم يكن الانقلاب الحوثي مجرد تحرك عسكري للسيطرة على مفاصل الدولة، بل كان إعلاناً صريحاً عن حرب شاملة استهدفت الوعي العام، وكان الصحفي هو العدو الأول في هذه المعركة، حيث تحولت اليمن التي كانت تعيش حراكاً ديمقراطياً واعداً بعد ثورة 2011، إلى ثقب أسود للمعلومات، حيث استبدلت المليشيا التعددية الإعلامية بصوت واحد، ولغة واحدة، ورواية قسرية لا تقبل القسمة على اثنين.
ولم يقتصر الانتهاك على إغلاق القنوات أو مصادرة الصحف، بل امتد ليشمل تصفية الجسد والروح، وتحويل حياة المئات من حراس الحقيقة إلى جحيم بين المعتقلات المظلمة والمنافي القسرية، وتحول القلم في صنعاء إلى جريمة تستوجب الإعدام، وتم تجريف المشهد الإعلامي اليمني بشكل ممنهج، ليصبح الصحفي اليمني اليوم بين خيارات أحلاها مر، إما الصمت المطبق، أو السجن والتعذيب، أو الشتات خلف الحدود.
سقوط منبر الدولة
وقد كانت ليلة الحادي والعشرين من سبتمبر 2014 نقطة تحول مأساوية في تاريخ الإعلام اليمني، حينما وجهت مليشيا الحوثي فوهات دباباتها نحو تلة التلفزيون في صنعاء، فلم يكن الهدف تدمير الحجر، بل إسكات صوت الدولة الرسمي، حيث حوصر مئات الموظفين والصحفيين داخل مبنى قناة اليمن الفضائية تحت قصف جنوني، في مشهد سريالي يوثق كيف تسقط الشرعية الإعلامية تحت وطأة السلاح، ليتم بعد السيطرة على المبنى عملية تطهير وظيفي واسعة، حيث تم طرد الكوادر المهنية واستبدالهم بمشرفين عقائديين لا يملكون من الصحافة سوى الولاء المطلق للمشروع الطائفي، وتحولت الشاشة التي كانت تمثل كل اليمنيين بشتى أطيافهم في فترة انتقالية سبقت الانقلاب، لتتحول إلى منبر للتعبئة الحربية وبث خطابات التحريض والكراهية.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم استخدام أرشيف الدولة الإعلامي الذي يمثل ذاكرة الوطن للابتزاز والتشويه.
ولم تكن سيطرة الحوثيين على الإعلام الرسمي مجرد استحواذ على مبانٍ، بل كانت عملية إعدام معنوي لمؤسسات بنيت بجهد أجيال، لتتحول في ليلة وضحاها إلى أدوات لتزييف الوعي وبرمجة الرأي العام بما يخدم أجندة المليشيا، مما جعل العاصمة صنعاء تعيش
ارسال الخبر الى: