الشيء الذي أنقذه ثم قتله
كان صوته قد اختفى تقريبًا.
وحين حاول أن يقول شيئًا، خرج الهواء قبل الكلمات. رفع يده إلى عنقه، حيث يخرج أنبوب صغير من فتحة دائرية تركها الجرّاح مكان الحنجرة. ابتسم ابتسامة خفيفة، ثم أشار إلى الطاولة المُجاورة حيث كانت علبة سجائر قديمة. طلب من ابنه أن يرميها.
ظلّ الابن ينظر إليها لحظات قبل أن يحملها. كانت العلبة شبه فارغة، وفي أعلاها صورة لرجل يشبه والده الآن أكثر مماّ كان يشبهه قبل سنوات. رجل بثقب في عنقه، وأنبوب يخرج منه، وعينان أنهكهما المرض.
سأل الابن بصوت خافت: ألم تكن ترى هذه الصور؟
أغلق الرجل عينيه. كان يراها كلّ يوم.
كانت السيجارة، في البداية، تبدو كأنّها تنقذه، ولهذا عاد إليها. ثمّ عاد. ثمّ عاد مرّة أخرى
طوال سنوات عملي في البحث العلمي لاكتشاف العلاقة بين الضغوط النفسية والإدمان، لم يكن أكثر ما يُدهشني أنّ التدخين يقتل. الجميع يعرف ذلك. المُدخّنون يعرفون، والأطباء يعرفون، وشركات التبغ تعرف. السؤال الذي ظلّ يُلاحقني كان مُختلفًا: إذا كان الإنسان يعرف الحقيقة كلّها، فلماذا يعود؟
كثيرون يعتقدون أنّ المدخّن يشعل سيجارته لأنّه يحبّ الدخان. هذا ليس ما رأيته. ما رأيته أنّ معظمهم كانوا يشعلونها لأنّهم يريدون شيئًا آخر. هدوءًا، استراحة قصيرة من الحياة، دقيقة لا يفكّر فيها بالفواتير، أو المرض أو الوحدة أو الخسارات الصغيرة التي تتراكم بصمت. كانت السيجارة، في البداية، تبدو كأنّها تنقذه. ولهذا عاد إليها. ثمّ عاد. ثمّ عاد مرّة أخرى.
الإدمان لا يبدأ حين يتعلّق الإنسان بالمادة أو العادة، بل يبدأ حين يصدّق أنّها أصبحت طريقه الوحيد إلى النجاة.
الإدمان لا يبدأ حين يتعلّق الإنسان بالمادة أو العادة، بل يبدأ حين يصدّق أنّها أصبحت طريقه الوحيد إلى النجاة
في المعامل والعيادات البحثية نرى ذلك يحدث داخل الدماغ. كلّ سيجارة تترك أثرًا صغيرًا، ومع الوقت لا يطلب الدماغ النيكوتين فقط، بل يطلب الوعد الذي يحمله. الوعد بأنّ الألم سيهدأ، وأنّ القلق سينخفض، وأنّ الحياة ستصبح، لدقائق قليلة، أكثر احتمالًا.
وهنا تقع الخدعة. الذي يهدأ
ارسال الخبر الى: