عن الشك الذي ينقذنا من أنفسنا

46 مشاهدة

يحدُث أن يستيقظ المرء ذات صباح وقد هدأت داخله الأسئلة التي كانت تقلقه، فيشعر بخفّةٍ مفاجئة، كأنّ شيئاً ثقيلاً أُزيح عن صدره من غير جهد، ويظنّ أنّه بلغ نوعاً من الصفاء، وأنّه أخيراً تصالح مع العالم ومع ذاته، وأنّه لم يعد مضطرّاً إلى مساءلة كلّ فكرة تعبر ذهنه، ولا إلى مراجعة كلّ موقف يتّخذه. غير أن هذه السكينة التي تبدو مغريةً قد تخفي في أعماقها خديعةً دقيقة. خديعةٌ تجعلنا نخلط بين السلام الحقيقي وبين خمود الوعي.

الشكّ، في صورته النبيلة، ليس ضعفاً كما يُصوَّر أحياناً، ولا علامة اضطرابٍ كما يُساء فهمه، بل هو إحدى أدوات النجاة التي يمتلكها العقل حين يريد أن يبقى حيّاً. هو تلك المسافة التي يضعها المرء بينه وبين ما يُقال له، وبين ما يصدّقه بسرعة، وبين ما يندفع إليه بدافع العادة أو القطيع. ومن دون هذه المسافة، يصبح الوعي مهدّداً بأن يتحوّل إلى مرآةٍ تعكس ما يُلقى فيها من غير تمييز.

حين يفقد المرء قدرته على الشكّ، فإنّه لا يفقد مجرّد مهارةٍ ذهنية، بل يتخلّى عن جزء من حرّيته، لأن اليقين السريع يمنح راحة فورية، ويغلق في الوقت نفسه الأبواب التي قد تقود إلى فهم أعمق. وهنا تكمن مفارقة خفيّة: أنّ السلام الداخلي الذي يُبنى على غياب الأسئلة، ليس سلاماً بقدر ما هو استسلام أنيق.

في التجارب الإنسانية الكُبرى، لم يكن الشكّ عائقاً أمام الوصول إلى الحقيقة، بل كان طريقاً إليها. كلّ فكرة ناضجة مرّت بمخاض من التردّد، وكلّ قناعة راسخة كانت يوماً ما سؤالاً قلقاً يبحث عن إجابة. وحين نتأمّل في مسارات الوعي الفردي، نجد أن اللحظات التي يظنّ فيها المرء أنّه استقرّ نهائياً، تكون، في أحيانٍ كثيرة، بداية نوع من التجمّد، إذ تتوقّف الحركة الداخلية التي تصنع النمو.

والأخطر أن فقدان الشكّ لا يحدُث بشكل فجائي، بل يتسلّل بهدوء. يبدأ برغبة في الراحة، ثم يتحوّل إلى ميل لتجنّب الأسئلة المزعجة، ثم ينتهي إلى حالة من الاطمئنان السهل، فلا يعود هناك دافع حقيقي إلى مراجعة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح