الشعر في قاعات السينما
استلهم عدد من الشعراء تقنيات السينما مثل اللقطات، والمونتاج، والتصوير، والموسيقى التصويرية، في كتابة قصائدهم. وكان لظهور هذا الفن في أوائل القرن العشرين أثرا كبيرا على التوجهات الشعرية الحديثة. في الجهة المقابلة، تبدو العلاقة بين الشعر والسينما في أوضح صورها مع صانعي الأفلام الطليعيين، المشبعين بالأفكار الجديدة، والمتأثرين بالحركة الشعرية السوريالية مثل مان راي، وهانز ريختر، وجيرمين دولاك، ومايا ديرين، الذين اكتشفوا كما وظّفوا مفهوماً جديداً يُعرف بـالسينيبويم (cinepoems) – القصائد السينمائية.
وليس هناك بالنسبة للمخرج والشاعر الإيطالي بيير باولو بازوليني من تعارض بين كتابة سطر من قصيدة وتصوير لقطة. هذا ما جعل انتقال الشعراء من الجلوس أمام الورقة إلى الوقوف خلف الكاميرا أمراً بديهيّاً. وفي ميلهم للتشظي والتكثيف، منحتهم السينما إمكانية تفكيك السرد وتحويله إلى انطباعات تأملية أو حالات داخلية. ففي فيلمها البيت أسود، تصوّر الشاعرة فروغ فرخزاد واقعاً قاسياً لمرضى الجذام، لكن بطريقة حلمية غير خاضعة للزمن. بينما شكّل الخيال الشعري للشاعر جان كوكتو العوالم السينمائية الحالمة والسريالية لأفلامه المشهورة دم الشاعر، أورفيوس، والجميلة والوحش.
الشعر في الأفلام التجريبية
كان هانز ريختر من أوائل الفنانين الذين تعاملوا مع السينما باعتبارها شكلاً شعرياً. ففي عشرينيات القرن الماضي، وُصفت أفلامه بأنها لغة جديدة، لها قواعدها وإيقاعها وإمكاناتها الشعرية الخاصة. وفي فيلمه إيقاع 21 (1921)، استخدم الأشكال التجريدية والزمن الإيقاعي ليصنع تجربة بصرية أشبه بالقصيدة دون قصة أو شخصيات. وبحسب الباحث ويليام ويس، فإن أفلام ريختر التجريدية تحتل مساحة الشعر الغنائي في السينما، مغلقة على ذاتها، إيقاعية، ومُوحية. بينما وصفت مايا ديرين اللحظات الشعرية في أفلامها بأنها تحقيقات عمودية، أي انقطاعات وجيزة في السرد تهدف إلى التعمّق في المعنى، على غرار المونولوغ في مسرحيات شكسبير الذي يُكثّف البُعد العاطفي للحظة.
ليست مجرد سرد بصري بل هي لغة شعرية تولد من إيقاع الصورة
ورغم غياب النص المكتوب، فإن البنية والمحتوى يعكسان البعد الشعري في تلك الأفلام: شعر الحلم كما في فيلم كلب أندلسي (1929)، لكل من لويس بونييل وسلفادور دالي، وفيلم تشابكات
ارسال الخبر الى: