السينما الفلسطينية كما عرفتها بيروت مشاهد مستمرة
في خضم النكسة والنكبة، وبين ركام المنافي ومعسكرات اللجوء، وُلدت سينما المقاومة الفلسطينية. تألّقت هذه السينما في فضاء بيروت خلال سبعينيات القرن الماضي، لتشكّل مرحلة ذهبية من عمر الأفلام الفلسطينية، لم تكن خلالها مجرد أعمال فنية، بل تحولت مرآةً للهوية الممزّقة وسلاحاً ثقافياً في وجه الاحتلال والنسيان.
انبثقت السينما الفلسطينية في لحظة كانت المجتمعات ترزح تحت وطأة الاحتلال والمتغيرات السياسية الحادة. في تلك الفترة، كانت بيروت، عاصمة النبض العربي، تحتضن الفعاليات الثقافية، وتمنح الفلسطينيين فضاءات نادرة للإبداع والتعبير عن معاناتهم. أنعشت هذه البيئة حركة السينما الفلسطينية، مع بروز مؤسسات مثل وحدة أفلام فلسطين ومؤسسة السينما الفلسطينية، التي تأسست تحت رعاية منظمة التحرير، وقادها مخرجون ومخرجات حملوا الكاميرا كما تُحمل البندقية، ليصوغوا بلغة بصرية جديدة أحلام شعبهم، وآلامه، ومقاومته.
مثّلت هذه المرحلة نقطة تحول تاريخية، إذ جمعت الأفلام بين الرؤية السياسية والوعي الجمالي، وكرّست صورة الفلسطيني لا بوصفه لاجئاً أو ضحية فحسب، بل بوصفه فاعلاً ثقافياً يعيد سرد حكايته ويوثّق نضاله ويحفظ ذاكرته الجمعية عبر الشاشة. عبر الأفلام، أضاء الفلسطينيون واقعهم المرير بطريقة تلامس الوجدان العربي والدولي، وتترك أثراً يصعب محوه.
قبل أيام، نظم نادي السينما عرضاً خاصاً للأفلام الفلسطينية في دار النمر، جمع جمهوراً من المهتمين والمتضامنين. عرضت خلال الأمسية ثلاثة أفلام وثائقية من أرشيف السينما الفلسطينية: مشاهد من الاحتلال في غزة (1973) وليس لهم وجود (1974) للمخرج مصطفى أبو علي (1940 ــ 2009)، وأطفال ولكن (1979) للمخرجة خديجة حباشنة. أعقب العروض توقيع كتاب فرسان السينما في بيروت للمرة الأولى، مضيفاً بُعداً ثقافياً آخر للحدث.
بدت الأفلام كأنها نشرات إخبارية حيّة، تسرد الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية بحق الأرض والإنسان والطفولة دون رادع، وعكست الأفلام حقيقة واحدة: أن شيئاً لم يتغيّر، سوى ازدياد العنف وتطور أدوات القتل التكنولوجي التي تحصد أرواح الفلسطينيين، من غزة إلى بقية المدن المقاومة.
تؤكد خديجة حباشنة، الباحثة والمناضلة السينمائية، أن الأرشيف السينمائي الفلسطيني تعرض لفقدان كبير بعد خروج منظمة التحرير من بيروت إلى تونس
ارسال الخبر الى: