دور السينما الدمشقية أبواب مغلقة في انتظار ما لا يأتي
62 مشاهدة
لم تعد دور السينما الدمشقية مجرد أماكن لعرض الأفلام بل تحولت إلى مؤشرات صامتة على تحول أعمق في البنية الثقافية والاقتصادية للمدينة ما كان يوما فضاء عاما لإنتاج المعنى والتفاعل أصبح اليوم محال تجارية ومطاعم ومقاهي أو أبوابا مغلقة تنتظر مستثمرا لا يأتي سينما الأهرام تقدم النموذج الأوضح على هذا التحول قبل سقوط النظام تحولت الصالة إلى معرض لبيع السجاد لكن مع انفتاح الأسواق وغياب الضوابط على دخول البضائع إلى سورية تغير دورها مجددا لتصبح مولا تجاريا أزيلت الكراسي من الصالة الأرضية لتحل مكانها مطاعم للوجبات السريعة فيما تحول الطابق العلوي المعروف في الصالات السورية باسم البلكون الشرفة إلى مساحة لبيع سلع معادة من منصات التجارة الإلكترونية تطرح بأسعار مخفضة هذا التحول لا يخص الأهرام وحدها سينما الفردوس وسينما الأيام أغلقتا أبوابهما بعدما كانتا تستثمران قبل سقوط النظام في عرض أفلام قديمة وأحيانا حلقات من مسلسلات تركية الجمهور الذي كان يرتاد هذه الصالات الواقعة غالبا في شوارع فرعية لم يكن معنيا كثيرا بالمحتوى المعروض بقدر اهتمامه بوجود مساحة خاصة ما جعل هذه الدور تعرف شعبيا باسم سينما عشاق أي أماكن تقصدها ثنائيات بحثا عن مساحة آمنة بعيدا عن الرقابة الاجتماعية على مدخل سينما الزهراء تتكدس الإعلانات الخاصة بالمقهى الموجود في الطابق العلوي بينما لا يزال إعلان قديم معلقا على الباب يشير إلى أن الصالة مغلقة للصيانة إعلان لم يتغير منذ سنوات وبحسب معلومات حصلت عليها العربي الجديد لا توجد أي عملية صيانة فعلية لكن قدم المعدات وغياب مستثمر جاد أوقفا العرض السينمائي الأمر نفسه ينطبق على سينما السفراء التي تضم مقهى وسينما ومسرح راميتا وسينما أوغاريت وكلها معلقة خارج الزمن في مقابل هذا التراجع لا تكاد توجد في دمشق اليوم سوى صالة واحدة يمكن للجمهور ارتيادها من دون شبهة اجتماعية تتعلق بسبب الذهاب إلى السينما وهي سينما سيتي التي أنشئت على أنقاض سينما دمشق بعد إعادة تأهيلها أما سينما الشام الواقعة في فندق الشام ذي النجوم الخمس فقد خرجت من الخدمة عام 2012 لأسباب قيل إنها أمنية رغم حداثة تجهيزاتها يقول مالك إحدى الصالات المغلقة لـالعربي الجديد إن القانون السوري كان يمنع هدم دور السينما رغم القيمة الاستثمارية العالية لمواقعها إذ يمكن تحويلها إلى مشاريع أكثر ربحية مثل الفنادق يضيف كنا نفتح الأبواب رغم صعوبات التشغيل وقلة الجمهور وحتى مع الاتهامات التي وجهت إلينا بتسهيل أعمال دعارة من دون أي دليل يشير إلى أن قرار الإغلاق جاء على أمل تعديل القوانين بما يسمح بإعادة استثمار العقارات قائلا من غير المنطقي أن أستمر في تشغيل صالة لا يأتيها سوى عدد محدود لمشاهدة فيلم قديم من دون القدرة على تطويرها أو تحديثها في سينما الكندي تختلط العلامات القديمة بالجديدة اللافتة التي تشير إلى أنها دار عرض لا تزال موجودة تعلوها لافتة أكبر تشير إلى أن المكان أصبح مركزا ثقافيا تابعا لوزارة الأوقاف من دون وضوح طبيعته تعود ملكية هذه الصالة مع مجموعة من المباني في شارع شيكاغو الذي سمي كذلك لكثرة المشاكل التي كانت تحدث فيه إلى الأخوين اللبنانيين رينيه وروبرت صباغ قبل أن تنتقل في ثمانينيات القرن الماضي إلى مديرية أوقاف دمشق ضمن مجموعة عقارات تشمل أيضا مقهى هافانا ومقهى الكمال تختفي الشاشة ويختفي معها فضاء كان يجمع الناس على تجربة مشتركة لكن أهمية سينما الكندي تتجاوز الملكية فكانت من أهم صالات العرض في دمشق واستقبلت افتتاحات أفلام بارزة واحتضنت طلاب دبلوم العلوم السينمائية حين لم يكن في سورية معهد متخصص كما كانت مركزا للنوادي السينمائية التي عرضت أفلاما مختارة مجانا للجمهور اليوم لم يعد لهذا الجمهور مكان بديل يقول طالب في المعهد العالي للفنون السينمائية لـالعربي الجديد إغلاق سينما الكندي يستهدف الذاكرة الجمعية للفن في سورية لا يمكن بناء مستقبل للسينما من دون هذه الذاكرة يضيف أن الصالة يمكن أن تتحول إلى متحف أو فضاء ثقافي بدلا من تركها خارج الاستخدام ترى عميدة المعهد العالي للفنون السينمائية ميسون علي أن ما حدث يعكس تدهورا شاملا في بنية السينما السورية تشير علي في حديث إلى العربي الجديد إلى أن سورية شهدت منذ مطلع القرن العشرين ازدهارا في دور العرض بلغ ذروته في الأربعينيات والخمسينيات قبل أن تبدأ مرحلة الانحدار بفعل الأزمات الاقتصادية وتداعيات الحرب والقوانين التي منعت استيراد الأفلام تقول إن معظم الصالات اليوم متوقفة أو مدمرة أو تحولت إلى استخدامات أخرى مثل سينما الأهرام والفردوس وإن هذا الواقع يعكس وضع السينما في البلاد عموما باستثناء حالات محدودة مثل سينما سيتي وسينما الكندي التي كانت مهددة بالإغلاق وتؤكد أن إعادة إحياء القطاع تتطلب ترميم الصالات وتطوير الإنتاج وإقامة المهرجانات وتفعيل النوادي السينمائية ودعم الجيل الجديد من السينمائيين خصوصا خريجي المعهد لعام 2025 إغلاق سينما الكندي يستهدف الذاكرة الجمعية للفن في سورية لا تقتصر الأزمة على دمشق صالات الكندي التابعة للمؤسسة العامة للسينما تعاني تراجعا مماثلا في المحافظات فقدت وزارة الثقافة صالة كندي حلب بحكم قضائي عام 1998 فيما سلمت صالة كندي حمص إلى مجلس المحافظة في عهد الوزيرة لبانة مشوح وتحولت إلى صالة أفراح أما صالات دير الزور واللاذقية فتعاني إهمالا شديدا وتحتاج إلى ترميم عاجل خصوصا أن بعضها يقع في مناطق شهدت معارك خلال سنوات سيطرة داعش في عام 1962 بلغ عدد دور السينما في سورية نحو 120 دارا موزعة على المحافظات اليوم شهد هذا الرقم تراجعا حادا مدن مثل الحسكة أصبحت بلا أي دار عرض منذ إغلاق سينما دمشق في التسعينيات فيما تحولت سينما القاهرة إلى صالة أفراح قبل عام 2011 حتى دمشق التي كانت تضم 11 دار عرض قبل الحرب لم يبق فيها عمليا سوى صالة واحدة تعمل بانتظام ما يحدث في دمشق يمثل إعادة تشكيل للعلاقة بين المدينة وثقافتها حين تتحول دور السينما إلى مطاعم أو متاجر تختفي الشاشة ويختفي معها فضاء عمومي كان يجمع الناس على تجربة مشتركة وينتج معنى جماعيا خارج الاستهلاك السينما هنا ليست ضحية السوق وحده ولا الحرب وحدها بل أيضا غياب رؤية ثقافية تعتبر هذه الأماكن جزءا من البنية الرمزية للمدينة لا مجرد أصول عقارية قابلة لإعادة التوظيف