السويداء تختنق عطشا تغير المناخ والجفاف يحاصران الريف السوري
54 مشاهدة
لم يعد تغير المناخ في الجنوب السوري مجرد ظاهرة طبيعية بل تحول إلى أزمة بيئية واجتماعية متشابكة تضرب أسس الحياة الريفية في محافظة السويداء حيث تختفي البساتين تدريجيا وتتحول الأشجار التي شكلت لسنوات طويلة ملامح القرى إلى جذوع يابسة تستعيد ذاكرة الأهالي صورا أكثر خصوبة كلما عادوا سنوات إلى الوراء تعرض رشا جربوع أم وائل صورا قديمة لأرض منزلها وتقول لـالعربي الجديد إن الخضار كان يغطي المكان قبل عقدين في مشهد يبدو اليوم بعيدا عن الواقع الذي فقد ملامحه الزراعية الأشجار من البساتين إلى المدفأة في ريف السويداء الشرقي تجلس الستينية أم وائل قرب ما تبقى من أشجار الزيتون حول منزلها كانت تملك نحو خمسة عشر دونما مزروعة بالتفاح والعنب والمشمش قبل أن تقضي سنوات الجفاف على معظمها تقول إن الأرض جفت من تحتهم والشجر مات من العطش قبل أشهر استيقظت على صوت منشار يقطع أشجارها كان أبناؤها يحضرون حطب الشتاء تضيف بحسرة أن الشجر تحول إلى وسيلة تدفئة بعدما أصبح من المستحيل تأمين مياه الري أو شراء الوقود تعتمد السويداء على الزراعة مصدر دخل رئيسيا مستفيدة من التربة البركانية والمناخ المعتدل لكن السنوات الأخيرة شهدت انخفاضا حادا في معدلات الهطل وارتفاعا في درجات الحرارة ما أدى إلى انهيار شبه كامل في الإنتاج تراجع إنتاج القمح إلى مستويات متدنية وسجلت محاصيل البقوليات إنتاجا شبه معدوم فيما انخفض إنتاج الأشجار المثمرة بنسب كبيرة في ظل ارتفاع تكاليف الأسمدة والبذور والمبيدات ونقص الوقود اللازم للري والحراثة يقول المهندس الزراعي مجد البيرق إن كمية الأمطار هذا العام لم تتجاوز ثلث المعدلات المعتادة في محافظة السويداء وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاج ويشير لـالعربي الجديد إلى أن إنتاج القمح تراجع بشكل حاد فيما سجلت محاصيل البقوليات إنتاجا شبه معدوم وتراجعت إنتاجية الأشجار المثمرة بشكل كبير ويلفت إلى أن الأزمة لا تتوقف عند نقص المياه بل تتفاقم مع ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج ونقص الوقود ما حول مواسم كاملة إلى خسارة صافية للمزارعين أزمة المياه تتصاعد في السويداء تنقل مديرية الموارد المائية في السويداء صورة قاتمة عن واقع المياه في المحافظة مشيرة إلى أن الحفر العشوائي للآبار في محيط بحيرة المزيريب في درعا والذي تجاوز 20 ألف بئر أدى إلى جفافها بالكامل ما حرم السويداء من نحو 15 ألف لتر يوميا كانت تستجر منها كما أدى حفر مئات الآبار قرب سد أبو زريق إلى تسرب مياهه وانخفاض قدرته التخزينية في وقت لم تعد السدود قادرة هذا العام على رفد المحافظة بأكثر من 5 من احتياجاتها نتيجة الجفاف nbsp 320 بئرا جوفية في السويداء لا يعمل منها سوى 250 بئرا قابلة للاستثمار فيما تحتاج نسبة كبيرة منها إلى الصيانة وتوضح المديرية أن عدد الآبار الجوفية يبلغ نحو 320 بئرا لا يعمل منها سوى 250 بئرا قابلة للاستثمار فيما تحتاج نسبة كبيرة منها إلى صيانة مكلفة قد تصل إلى 700 مليون ليرة للبئر الواحدة في المناطق الشرقية التي يصل عمق آبارها إلى 800 متر وتعتمد المحافظة على المياه الجوفية لتأمين نحو 75 من احتياجاتها مقابل مساهمة محدودة للسدود في حين تبقى الأودية موردا موسميا لا يغطي سوى نسبة ضئيلة من الاستهلاك وفي محاولة لاحتواء التدهور تقول المديرية إنها نفذت خلال الأشهر الماضية أعمالا إسعافية شملت تنظيف القناة البيتونية المغذية لسد الروم في منطقة ظهر الجبل عبر عمل تطوعي شارك فيه موظفوها بهدف إزالة الرواسب وتحسين انسياب المياه إضافة إلى استثمار 37 بئرا وإعادة تأهيل ست آبار ووضعها في الخدمة لأغراض الشرب والري خلال الربع الأول من العام الحالي سوق موازية للمياه مع تراجع ضخ المياه الحكومية باتت غالبية الأسر تعتمد على شراء المياه من الصهاريج الخاصة بأسعار مرتفعة تستنزف جزءا كبيرا من دخلها في وقت لا تصل فيه المياه إلى المنازل إلا بفترات متباعدة هذا الواقع خلق سوقا موازية للمياه وزاد من الأعباء المالية على السكان وترك آثارا صحية متزايدة يقول مؤيد النجار وهو موظف متقاعد من مدينة السويداء إن الحصول على المياه بات عبئا يوميا يرهق ميزانية الأسرة بعد توقف الشبكة الحكومية عن التزويد المنتظم ويوضح لـالعربي الجديد أنه يضطر إلى شراء صهريج مياه كل عشرة أيام تقريبا بأسعار مرتفعة مضيفا أحيانا نختصر استهلاكنا لنمدد الكمية لأطول فترة ممكنة ويربط الأزمة بتوقف المضخات نتيجة نقص المحروقات والانقطاع الطويل للتيار الكهربائي إضافة إلى الأعطال المتكررة وغياب قطع التبديل أما سهير أبو الفخر أم فراس وهي ربة منزل من ريف السويداء الغربي فتقول إن الجفاف الذي سيطر على المنطقة خلال السنوات الأخيرة حول المياه إلى هم يومي مضيفة أن اعتماد العائلة على الصهاريج الخاصة بات أمرا لا مفر منه رغم كلفته العالية وتوضح لـالعربي الجديد أن وصول المياه عبر الشبكة أصبح نادرا جدا بسبب تعطل الآبار وتوقف الضخ لفترات طويلة في ظل انقطاع الكهرباء وندرة الوقود اللازم لتشغيل المضخات إلى جانب الأعطال الفنية التي تبقى من دون صيانة لعدم توفر المعدات والقطع اللازمة لم يقتصر أثر الجفاف على الزراعة المنظمة بل طاول النباتات البرية التي كانت تشكل غذاء بديلا ومصدرا للدخل في الربيع حيث تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة الجفاف والرعي الجائر كما تضررت الثروة الحيوانية مع ارتفاع أسعار الأعلاف ونقص المراعي ما دفع كثيرين إلى بيع قطعانهم بخسارة والخروج من هذا القطاع nbsp وتدفع هذه الأزمات المتراكمة كثيرا من الأهالي إلى مغادرة أراضيهم بحثا عن مصادر دخل بديلة في المدن أو خارج البلاد في تحول تدريجي يعيد تشكيل هوية الأرياف التي تفقد طابعها الزراعي تكشف أزمة السويداء أن تغير المناخ في سورية لم يعد قضية بيئية فحسب بل أصبح عاملا يعيد تشكيل الاقتصاد المحلي والبنية الاجتماعية والديمغرافية ومع استمرار الجفاف وتراجع الموارد يبقى مستقبل الزراعة والثروة الحيوانية مهددا فيما تتزايد الحاجة إلى حلول مستدامة تعيد التوازن بين الإنسان والأرض وتمنح سكان الريف فرصة للبقاء