حاجات السوريين أزمة تتجاوز إمكانيات الدولة والمساعدات المحدودة
114 مشاهدة
لم تعد المساعدات المحدودة مجرد مساندة مؤقتة بالنسبة لمئات آلاف العائلات السورية بل وسيلة للبقاء خاصة مع ارتفاع الأسعار والبطالة ونقص الموارد وتقلص الدعم الدولي وتراكم الأزمات تحت أشعة الشمس الحارقة تقف فاطمة العزيز 45 سنة رفقة أطفالها الثلاثة أمام مدخل جمعية خيرية في ريف دمشق بانتظار دورها للحصول على سلة غذائية تمسح عرق جبينها بيد وتمسك طفلها بيدها الأخرى كي لا يضيع وسط الزحام وتقول فاطمة أم محمد لـالعربي الجديد المساعدات التي نتلقاها لا تكفي لكنها تساعدنا على الصمود زوجي مريض لا يعمل وأنا أبحث عن أي فرصة ولو حتى في تنظيف المنازل لكن الفرص معدومة حتى في الصيف لا نملك برادا لحفظ الطعام وأحيانا يفسد الأكل قبل أن نطبخه وحتى لو امتلكنا البراد تبقى المشكلة بانقطاع التيار الكهربائي نعيش على القليل ونحسب كل لقمة يأكلها أطفالنا أما في حلب شمالي سورية فيعيش بسام عبد المنعم 53 سنة مع زوجته وأولاده في منزل نصفه مهدم بلا سقف يغطونه بقطع من القماش والبلاستيك للاحتماء من الشمس وعلى الرغم من حصوله على دعم نقدي بسيط من إحدى الجمعيات المحلية لكنه بالكاد يغطي تكاليف الخبز والدواء ويقول بسام أبو أحمد لـالعربي الجديد المساعدات تبقينا على قيد الحياة لكنها لا تغير حياتنا وكل يوم أحسب الأمور ويتكرر في ذهني السؤال ذاته هل أشتري الدواء لزوجتي المريضة أم الخبز لأولادنا الجائعين وقد فاقم فصل الصيف من معاناتنا إذ إن الحر شديد والمياه محدودة وحتى شراء الثلج لحفظ الطعام أصبح رفاهية قياسا بقدراتنا المادية في أحد المخيمات قرب إدلب شمال غربي سورية تجلس أم خالد 37 سنة مع أطفالها الثلاثة في خيمة مهترئة تزداد حرارتها مع شروق الشمس وتروي لـالعربي الجديد تفاصيل معاناتها قائلة نستيقظ فجرا قبل أن تشتد الحرارة ننتظر صهريج المياه الذي قد يأتي مرة كل ثلاثة أيام أطفالي يمرضون من قلة النظافة وشدة الحر بينما تبقى المساعدات ضئيلة الصيف عندنا أصعب من الشتاء لا ظل ولا مياه باردة ولا حتى مروحة كهربائية حتى الاستحمام صار صعبا كما أن الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي يعطل إمكانية تشغيل أي جهاز تبريد قصص المعاناة اليومية ليست استثناء إنما تعكس واقع مئات آلاف العائلات السورية التي لم تعد المساعدات مجرد مساندة مؤقتة بالنسبة لها بل وسيلة أساسية للصمود والبقاء خصوصا مع الصيف الحار وارتفاع الأسعار ونقص الموارد الأساسية وتواصل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في سورية وضع خطط وبرامج تستهدف تحسين الوضع المعيشي للعائلات الأكثر هشاشة في المجتمع السوري ولا سيما الأيتام والمسنين وذوي الاحتياجات الخاصة والأسر الفقيرة التي باتت تشكل الغالبية العظمى من السوريين يقول معاون وزير الشؤون الاجتماعية بهجت حجار لـالعربي الجديد أكثر من 90 من الشعب السوري يعيش اليوم تحت خط الفقر ولدينا أكثر من مليون ونصف مليون نازح داخلي لا زالوا يعيشون في المخيمات أغلبها في الشمال السوري أضف إلى مناطق أخرى في البلاد كما أن حجم الاحتياجات يتجاوز إمكانيات الدولة السورية التي تسخر كل ما لديها من أجل تأمين المساعدات لكن العبء كبير جدا وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته بدعم السوريين ويضيف حجار نحو 10 ملايين مواطن بحاجة ماسة إلى المساعدات ولقد كان ضروريا الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة المشاريع التنموية التي تركز على تأمين فرص العمل ودعم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والطاقة إلى جانب برامج مرتبطة بإعادة الإعمار في ظل الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية بالمقابل يشير أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق الدكتور زياد عربش إلى أن الوضع الاقتصادي الراهن يعكس تراكم أزمات مستمرة منذ سنوات بدءا من تراجع الإنتاج المحلي في قطاعي الزراعة والصناعة إلى انخفاض قيمة الليرة السورية مقابل العملات الأجنبية وارتفاع معدلات التضخم على نحو متسارع كل ذلك أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر وأصبح جزء كبير من السكان غير قادر على تلبية أبسط احتياجاته اليومية من طعام ودواء وسكن ويرى عربش أن تفاقم الأزمات الاقتصادية أدى إلى زيادة معدلات البطالة بين الشباب والنساء مشيرا إلى أن نسبة البطالة تجاوزت 50 في بعض المناطق بينما يعتمد جزء كبير من السكان على الاقتصاد غير الرسمي والمعاملات اليومية للبقاء على قيد الحياة ويشير إلى أن غياب السياسات الاقتصادية الداعمة للأسر الفقيرة واستمرار ضعف البنية التحتية للخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء والنقل زاد من هشاشة المجتمع وجعل الملايين عرضة لمستويات أعلى من الفقر ويتابع الخبير الاقتصادي المساعدات الغذائية والنقدية تحافظ على الحد الأدنى من الحياة اليومية للأسر لكنها لا تعيد إنتاج الدخل أو توفر فرص عمل مستدامة لذلك فإن أي خطة إنسانية يجب أن تترافق مع برامج تنموية تعيد للأسر قدرتها على الإنتاج والاكتفاء الذاتي ومن دون معالجة الأبعاد الاقتصادية ستظل الأزمة الإنسانية متكررة ومتفاقمة وخلال السنوات الأربع الماضية تراجع حجم المساعدات المقدمة إلى سورية على نحو ملحوظ إذ انخفضت مساهمات المانحين تدريجيا عاما بعد عام نتيجة تغير عقلية المانحين والرغبة في تقليص المساعدات التقليدية ويرى حجار أن الاعتماد المستمر على السلال الغذائية والدعم المباشر خلق نوعا من الاتكالية لدى بعض الفئات في حين أن الشعب السوري منتج وما يحتاجه اليوم هو فرص عمل ومشاريع صغيرة ومتوسطة تساهم في إعادة تدوير عجلة الاقتصاد ويزداد الملف الإنساني في سورية تعقيدا مع الأزمات المتلاحقة من تراجع قطاعي الزراعة والصناعة إلى تفاقم حدة الحرائق التي ألحقت خسائر جسيمة الأمر الذي ضاعف انعدام الأمن الغذائي وبحسب تقرير برنامج الأغذية العالمي لعام 2024 فإن 12 9 مليون سوري نحو 13 مليونا يعانون من انعدام الأمن الغذائي أي أكثر من نصف السكان بما في ذلك 3 1 ملايين شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الشديد كما وصلت معدلات سوء التغذية لدى الأمهات وسوء التغذية الحاد لدى الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات طوارئ عالمية وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أشارت في مارس آذار 2025 إلى وجود أكثر من 7 4 ملايين نازح سوري داخل البلاد يعيش قسم كبير منهم في ظروف صعبة داخل المخيمات أو المساكن المؤقتة وإلى أن النازحين السوريين شمال غربي البلاد وعددهم 3 4 ملايين شخص من أصل 7 4 ملايين نازح في شتى أنحاء سورية قد تجددت آمالهم بالعودة إلى ديارهم بعد سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر كانون الأول 2024 بعد 14 عاما من الصراع والأزمة فيما يواجه اللاجئون السوريون خارج البلاد ضغوطا اقتصادية ومعيشية مشابهة مع تراجع حجم التمويل المخصص لخطط الاستجابة الإقليمية ورغم الصعوبات السياسية والاقتصادية تمكنت وزارة الشؤون الاجتماعية وفق معاون الوزير من إيصال مساعدات محدودة بالتعاون مع الهلال الأحمر العربي السوري وبعض المنظمات الدولية إلى مناطق مثل السويداء التي تأثرت في الآونة الأخيرة بالأوضاع الأمنية والمعيشية ويختم حجار بالقول المرحلة المقبلة تتطلب شراكة حقيقية بين الدولة السورية والمنظمات الدولية والمجتمع المدني حتى لا تبقى المساعدات مجرد حلول مؤقتة بل تتحول إلى أدوات للتنمية المستدامة ودعم الاقتصاد الوطني وعلى الرغم من التراجع الملحوظ في حجم الدعم الدولي لا زالت منظمات دولية إنسانية مثل برنامج الأغذية العالمي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة يونيسف واللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى جانب الهلال الأحمر العربي السوري وجمعيات محلية تقدم مساعدات أساسية لملايين السوريين داخل البلاد وخارجها غير أن هذه الجهود تبقى جزئية ومحدودة أمام الاحتياجات الهائلة في وقت تزداد فيه ضغوط الحياة على السوريين وسط تكرر الأزمات والأحداث الأمنية أضف إلى تبعات الحرب السورية