السلطة والحرية تحول القيمة إلى ورقة مساومة

89 مشاهدة
غالبا ما نحتاج في غالب المسائل الوجودية والسياسية إلى اختبار وحيد وحاسم يثبت زيف ادعاءاتنا أو صدقها انطلاقا من القاعدة الشعبية التي تؤكد أن اللي على البر عوام فمعركة الحرية كما يحملها أشرف الناس وأنبلهم في مواجهة الطغيان قد يحمل شعاراتها أيضا أصحاب مصالح عابرة يركبون موجتها وصولا إلى مراداتهم الشخصية أو يستخدمونها أداة للمساومة والضغط لتجميل قبيح حقيقتهم وهو ما يلبس الحق بالباطل على المتابعين ويوقع الجمهور في فخ الصدمة والتشكك في ما يعتقدون حين تنجلي الحقائق في ميدان الفعل وإذا كان هذا المنطق ينطبق على الأفراد الذين يحتمل سلوكهم تعقيدات وتناقضات بشرية فإن السلطة بهذا الاختبار أولى إذ تحمل السلطة بمجرد كونها سلطة تناقضا بنيويا مع الحرية يجعل اتفاقهما من قبيل المستحيل فلا يجتمعان إلا متقابلين في معركة مستمرة حتى وإن بدت في كثير من أطوارها باردة أو صامتة إن الاعتقاد بأن السلطة أي سلطة يمكن أن تكون حارسا للحرية واحد من أكبر الأوهام التاريخية التي سيقت لنا بعناية فالحقيقة العارية تخبرنا أن الحرية والسلطة كيانان لا يجتمعان إلا في حالة صراع لأن السلطة بطبيعتها الجينية تميل نحو الشمولية والضبط والنمذجة بينما تميل الحرية بطبيعتها الوجودية نحو الانفلات والتعدد والعفوية فالسلطة ليست مجرد أداة لتنظيم المجتمع بل هي محاولة دائمة لفرض النظام والقدرة على التنبؤ بالسلوك البشري بينما الحرية يتمثل جوهرها بعدم اليقين معركة الحرية كما يحملها أشرف الناس وأنبلهم في مواجهة الطغيان قد يحمل شعاراتها أيضا أصحاب مصالح عابرة ومن هنا تبرز الحاجة السلطوية لتعريف كل شيء وتصنيف كل فرد ضمن مسارات بيروقراطية مرسومة فيصبح الفرد الحر بمثابة ثغرة في هذا النظام تثير ذعر المنظومة وتدفعها إلى محاصرته استباقيا بما يوضح كيف تسعى السلطة الحديثة لـتطويع الأفراد وإرضاخهم وتحويلهم إلى أجساد مطيعة عبر آليات الرقابة المستمرة وفي سياق سعيها لشرعنة وجودها تدعي السلطة أنها وجدت أساسا لحماية حريات الناس من فوضى الحالة الطبيعية وهذا هو التلفيق الأول الذي تقوم عليه فلسفة الحكم فالسلطة في جوهرها لا تحمي الحرية بل تحولها من حق أصيل إلى رخصة تمنحها وتطلب استردادها تنتزعها متى شاءت مستغلة الخوف الدائم لتبرير القمع بوصفه ضرورة أمنية قصوى ولعله باكونين الذي رأى محقا أن أي سلطة مهما كان شكلها هي بالضرورة مقبرة للحرية لأنها تفترض وصاية كائن اعتباري وهو الدولة على كائن حي وهو الإنسان والوصاية بطبعها تنفي الأهلية وتصادر الإرادة ومع تقدم الزمن انحدرت الحرية من كونها قيمة عليا لتصبح مجرد أداة في سوق المصالح السياسية حيث تستخدمها السلطات علامة تجارية لتجميل صورتها الدولية أو صمام أمان لمنع الانفجار الشعبي أو حتى أوراق مساومة في المفاوضات شيء يشبه ما شرحه نعوم تشومسكي عن كيف تجري هندسة الحريات في الديمقراطيات الحديثة لتظل ضمن إطار محكم يخدم النخب الحاكمة ولا يهدد بنية السلطة إن الوعي بوجود هذا التناقض الجوهري هو ما يجب أن يدير علاقة الجمهور بالمعسكرات السياسية فالسلاح صاروخا كان أو كلمة لن ينطلق أبدا في غير وجهة القائم بالتسليح السلطة ليست مجرد أداة لتنظيم المجتمع بل هي محاولة دائمة لفرض النظام والقدرة على التنبؤ بالسلوك البشري ولعل أبهى تجليات هذا التزييف قد ظهرت بوضوح إبان الثورات العربية وما تلاها حيث اختلطت المفاهيم والتبس الأمر على الناس بسبب تداخل المعسكرات وتشكل تحزبات هجينة ومعقدة في تلك اللحظات الفارقة سقط الكثير من الجمهور في فخ البروباغندا التي يروج لها إعلام كل معسكر فصدقوا السرديات التي رسمت بعناية لتصوير أطراف سياسية بل ودولية على أنها حاملة لواء الحرية وصدقوا في غيرها حاملة لواء الإسلام بينما الحقيقة أن تلك الأطراف لم تكن ترى في الحرية سوى ورقة ضغط أو أداة لتحقيق مصالح جيو سياسية تتجاوز مطالب الشعوب وتطلعاتها هذا الالتباس المتعمد كان يهدف إلى تعمية الأبصار عن الأجندات العميقة لتلك المعسكرات التي لا تتقاطع مع الحرية إلا في حدود ما يخدم نفوذها ما جعل المواطن يجد نفسه أحيانا وقودا لمعركة لم تصمم أصلا من أجله بل صممت لإعادة ترتيب مقاعد السلطة النفوذ تحت ستار من الشعارات البراقة إن كون السلطة سلطة يعني بالضرورة عداءها الفطري للحرية والمقاومة الحقيقية تبدأ من رفض تصديق سردية السلطة عن نفسها فاللحظة التي تدرك فيها أن صمودك يزعزع سردية السجان هي لحظة تحررك الفعلية إذ أنت كما ترى نفسك كما تقرر لنفسك لا كما يرسمك غيرك الكفة الثانية التي تحفظ توازن هذا العالم المجنون

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح