السلطة والحرية تحول القيمة إلى ورقة مساومة
غالباً ما نحتاج في غالب المسائل الوجودية والسياسية إلى اختبارٍ وحيدٍ وحاسم يُثبت زيف ادّعاءاتنا أو صدقها، انطلاقاً من القاعدة الشعبية التي تؤكّد أنّ اللي على البرّ عوّام. فمعركة الحريّة، كما يحملها أشرف الناس وأنبلهم في مواجهة الطغيان، قد يحمل شعاراتها أيضاً أصحاب مصالح عابرة يركبون موجتها وصولاً إلى مراداتهم الشخصية، أو يستخدمونها أداةً للمساومة والضغط لتجميل قبيح حقيقتهم، وهو ما يلبّس الحقّ بالباطل على المتابعين، ويوقع الجمهور في فخّ الصدمة والتشكّك في ما يعتقدون حين تنجلي الحقائق في ميدان الفعل.
وإذا كان هذا المنطق ينطبق على الأفراد الذين يحتمل سلوكهم تعقيدات وتناقضات بشرية، فإنّ السلطة بهذا الاختبار أولى، إذ تحمل السلطة، بمجرّد كونها سلطة، تناقضاً بنيوياً مع الحريّة، يجعل اتفاقهما من قبيل المستحيل، فلا يجتمعان إلا متقابلين في معركة مستمرّة، حتى وإن بدت في كثير من أطوارها باردة أو صامتة.
إنّ الاعتقاد بأنّ السلطة، أيّ سلطة، يمكن أن تكون حارساً للحرية، واحد من أكبر الأوهام التاريخية التي سيقت لنا بعناية. فالحقيقة العارية تُخبرنا أنّ الحرية والسلطة كيانان لا يجتمعان إلا في حالة صراع، لأنّ السلطة بطبيعتها الجينية تميل نحو الشمولية والضبط والنمذجة، بينما تميل الحرية بطبيعتها الوجودية نحو الانفلات والتعدّد والعفوية. فالسلطة ليست مجرّد أداة لتنظيم المجتمع، بل هي محاولة دائمة لفرض النظام والقدرة على التنبؤ بالسلوك البشري، بينما الحرية يتمثّل جوهرها بعدم اليقين.
معركة الحريّة، كما يحملها أشرف الناس وأنبلهم في مواجهة الطغيان، قد يحمل شعاراتها أيضاً أصحاب مصالح عابرة
ومن هنا، تبرز الحاجة السلطوية لتعريف كلّ شيء وتصنيف كلّ فرد ضمن مسارات بيروقراطية مرسومة، فيصبح الفرد الحرّ بمثابة ثغرة في هذا النظام، تثير ذعر المنظومة وتدفعها إلى محاصرته استباقياً، بما يوضّح كيف تسعى السلطة الحديثة لـتطويع الأفراد وإرضاخهم وتحويلهم إلى أجساد مطيعة عبر آليات الرقابة المستمرّة.
وفي سياق سعيها لشرعنة وجودها، تدّعي السلطة أنها وُجدت أساساً لحماية حريات الناس من فوضى الحالة الطبيعية، وهذا هو التلفيق الأوّل الذي تقوم عليه فلسفة الحكم. فالسلطة في جوهرها لا تحمي
ارسال الخبر الى: