السلطة في سورية بين شرعية مأمولة وتحديات بنيوية

105 مشاهدة
بعد سنوات طويلة من القمع والاستبداد سقط نظام الأسد الإجرامي ووجد السوريون أنفسهم أمام لحظة فارقة في تاريخهم السياسي حملت معها وعودا كبيرة ببناء دولة جديدة عادلة تكسر مركزية السلطة وتعيد الاعتبار للحقوق والحريات التي سحقت عقودا كانت الآمال معلقة على أن تكون هذه المرحلة بداية فعلية لقطيعة مع الماضي لا مجرد تبديل في الوجوه بل تأسيسا لدولة تدار بمنطق المؤسسات لا بمنطق الغلبة ومع تولية أحمد الشرع رئيسا للبلاد في المرحلة الانتقالية بدأت مرحلة جديدة من التحديات تتعلق بالبنية الهشة للسلطة الجديدة وبالمأمول منها شعبيا الذي يفوق بكثير ما يمكن تحقيقه في الظروف الراهنة وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على سقوط نظام الأسد لم تتمكن السلطة الجديدة من بناء مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة الدولة وفق منطق القانون والمواطنة بل تشير مظاهر الفوضى والانقسامات وتكرار الانتهاكات إلى أن السلطة لا تزال عاجزة عن التحول من حالة الثورة إلى حالة الدولة ولا يرتبط هذا العجز فقط بصعوبات المرحلة الانتقالية بل يتجذر في طبيعة التكوين السياسي والعسكري للسلطة نفسها فهي ليست جسما موحدا بل تتكون من فصائل متعددة لكل منها تاريخها وأدواتها ومناطق نفوذها ما يجعل من التنسيق الداخلي تحديا يوميا ويضعف قدرتها على فرض القانون أو ضبط الأداء الفصائلية التي كانت مبررة في سياق مقاومة نظام الأسد باتت اليوم عائقا أمام بناء سلطة وطنية وتنتج حالة من التنازع والصراع الداخلي تضعف هيبة الدولة وتربك علاقتها بالمجتمع إذا استمرت الممارسات الإقصائية ستتآكل شرعية السلطة تدريجيا وستتحول إلى عبء على نفسها بدل أن تكون أداة للتغيير إلى جانب ذلك جاءت معظم العناصر التي كلفت تولي الأمن من خلفيات قتالية ولم تمنح فرصة التعليم أو التدريب المدني بعد سنوات من العيش تحت القصف وفي الخيام وفي ساحات القتال وهذا الواقع يجعل من مهمة إدارة شؤون الناس تحديا كبيرا وينتج أداء هشا لا يستند إلى خبرة مؤسساتية بل إلى منطق القوة والارتجال ومع حجم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب يصبح من الصعب على السلطة مهما كانت نياتها أن تنهض وحدها من تحت الركام من دون شراكة حقيقية مع المجتمع المدني ومن دون دعم دولي فعال ومن دون خطة واضحة تتجاوز الشعارات إلى السياسات الواقعية في ظل هذا الواقع المرتبك لا تقتصر التحديات على ضعف الأداء الداخلي بل تتعقد بفعل وجود قوى متعددة تسعى إلى تقويض سلطة أحمد الشرع وإن اختلفت دوافعها وأدواتها ولا تنتمي هذه القوى إلى معسكر واحد بل تتوزع بين أطراف داخلية وخارجية تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة إضعاف السلطة الجديدة أو دفعها نحو الفشل الفئة الأولى من يمكن وصفهم بـالمطبلين أو الساكتين عن الأخطاء وهم الذين يحيطون بالسلطة من دون أن يقدموا لها النصح أو النقد بل يزينون لها الأداء مهما بلغ من التردي هؤلاء لا يضعفون السلطة من الخارج بل من الداخل عبر إيجاد صورة زائفة عن النجاح وعزل القيادة عن نبض المجتمع الولاء الأعمى لا يصنع دولة بل ينتج سلطة متغطرسة ومنغلقة تفقد تدريجيا قدرتها على الإصغاء والتصحيح الثانية تضم من يبالغون في تصيد الأخطاء ويحولون كل إخفاق إلى مادة للتشكيك والهجوم من دون تقديم رؤية بديلة واضحة يغرق هذا الفريق الرأي العام في اليأس ويغذي الانقسام الاجتماعي والسياسي ويساهم في إيجاد بيئة مشحونة لا تسمح بالحوار ولا بالتدرج في الإصلاح ورغم أن النقد مشروع وضروري إلا أن تحويل بعضه إلى أداة للهدم يفقده قيمته ويحوله إلى جزء من الأزمة بدل أن يكون مدخلا إلى الحل السلطة التي تدار عبر مجموعة ضيقة وتغلق أبوابها أمام الأصوات المستقلة لا يمكن أن تصمد طويلا الثالثة القوى الخارجية التي فقدت نفوذها في سورية بعد سقوط نظام الأسد وفي مقدمتها إيران والمليشيات العراقية واللبنانية التي كانت ومعها روسيا لها اليد الطولى في تقرير المصير السوري سنوات مضت ترى هذه الأطراف في الإدارة الجديدة تهديدا لمصالحها وتسعى لإعادة تدوير نفوذها عبر أدوات متعددة الإعلام التمويل الضغط الدولي أو حتى تحريك خلايا داخلية ما يجمع هذه القوى رفضها أي سلطة لا تخضع لمنطق المحاور أو لا تضمن استمرار امتيازاتها في سورية ما بعد الأسد في قلب هذا المشهد تبرز مسألة الشرعية بوصفها التحدي الأخطر الذي يواجه السلطة الجديدة فالشرعية لا تصنع بالقوة ولا تفرض بالهيمنة بل تبنى على المصداقية وعلى قدرة السلطة على تمثيل الناس وخدمتهم والاستجابة لتطلعاتهم لا يملك الرئيس أحمد الشرع الذي اختارته الفصائل حلا توافقيا شرعية دستورية لكنه يملك فرصة نادرة لإعادة تعريف السلطة وتأسيس نموذج جديد في الحكم إذا ما امتلك الجرأة على مراجعة الأداء والانفتاح على النقد وتوسيع دائرة الشراكة السلطة التي تدار عبر مجموعة ضيقة وتغلق أبوابها أمام الأصوات المستقلة لا يمكن أن تصمد طويلا حتى لو حافظت على السيطرة العسكرية فالمجتمعات لا تدار بالقوة وحدها بل بالثقة وبالقدرة على بناء مؤسسات تحظى بالاحترام وتنتج سياسات عادلة وتحاسب نفسها قبل أن تحاسب الآخرين وإذا استمرت الممارسات الإقصائية ستتآكل شرعية السلطة تدريجيا وستتحول إلى عبء على نفسها بدل أن تكون أداة للتغيير بناء الدولة لا يبدأ من السيطرة بل من الثقة ولا ينجز بالشعارات بل بالقرارات الجريئة التي تعيد وصل السلطة بالمجتمع وتحولها من عبء إلى أداة للتغيير ورغم قتامة المشهد هناك خيط رفيع من الأمل يمكن البناء عليه إذا توفرت الإرادة السياسية والجرأة على التغيير بدأت بعض الأصوات داخل السلطة تدرك أن الاستمرار في النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والتآكل وأن الإصلاح لم يعد خيارا تجميليا بل ضرورة وجودية لكن هذا الخيط الهش لا يمكن أن يتحول إلى مسار فعلي إلا إذا توافرت شروط واضحة أهمها الاعتراف بالأخطاء لا التغطية عليها الانفتاح الحقيقي على المجتمع والكفاءات والخبرات التي تمتلك رؤى وطنية ولا ترتبط بأجندات خارجية اتخاذ قرارات ملموسة تعيد بناء الثقة من خلال فرض السيطرة الكاملة على الفصائل المتحالفة مع السلطة ووقف حالة التنازع الداخلي التي تضعف الأداء وتربك القرار فبناء الدولة لا يمكن أن يتم في ظل ازدواجية السلطة أو تعدد مراكز القرار أو استمرار منطق السلاح في إدارة الشأن العام تفعيل دور المجتمع المدني الذي يشكل ركيزة أساسية لأي مشروع وطني ولا يقتصر هذا الدور على تقديم الخدمات أو تنظيم المبادرات بل يمتد إلى مراقبة الأداء واقتراح السياسات وإيجاد فضاء عام يسمح بالنقاش والتعددية تفعيل دور الإعلام الذي ظل سنوات أداة للتحريض أو التمجيد وتحويله إلى منصة للتنوير تسلط الضوء على القضايا الحقيقية وتساهم في بناء وعي نقدي لا في تغذية الانقسام تبني مسار واضح للعدالة الانتقالية يعيد الاعتبار للضحايا ويوثق الانتهاكات ويؤسس لمحاسبة عادلة لا انتقامية ومواجهة الماضي بشجاعة تؤسس لشرعية أخلاقية وقانونية تحصنها من السقوط العدالة الانتقالية ليست ترفا قانونيا بل شرط أساسي للسلم الأهلي والمصالحة الوطنية وبناء مؤسسات تحظى بثقة الناس وتعيد وصل المجتمع بالدولة باختصار لا يكفي إسقاط النظام المجرم بل يجب أن تنهض البدائل على أسس جديدة تعيد الاعتبار للناس وتعيد تعريف السلطة بوصفها خدمة لا هيمنة ومسؤولية لا امتيازا والسلطة الجديدة أمام اختبار تاريخي إما أن تختار طريق الإصلاح الحقيقي وتفعل شروط التحول السياسي والمؤسساتي وفي مقدمها العدالة الانتقالية وإما أن تستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة تعيد إنتاج الاستبداد الذي ثار عليه السوريون فبناء الدولة لا يبدأ من السيطرة بل من الثقة ولا ينجز بالشعارات بل بالقرارات الجريئة التي تعيد وصل السلطة بالمجتمع وتحولها من عبء إلى أداة للتغيير

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح