بعد سنوات طويلة من القمع والاستبداد سقط نظام الأسد الإجرامي ووجد السوريون أنفسهم أمام لحظة فارقة في تاريخهم السياسي حملت معها وعودا كبيرة ببناء دولة جديدة عادلة تكسر مركزية السلطة وتعيد الاعتبار للحقوق والحريات التي سحقت عقودا كانت الآمال معلقة على أن تكون هذه المرحلة بداية فعلية لقطيعة مع الماضي لا مجرد تبديل في الوجوه بل تأسيسا لدولة تدار بمنطق المؤسسات لا بمنطق الغلبة ومع تولية أحمد الشرع رئيسا للبلاد في المرحلة الانتقالية بدأت مرحلة جديدة من التحديات تتعلق بالبنية الهشة للسلطة الجديدة وبالمأمول منها شعبيا الذي يفوق بكثير ما يمكن تحقيقه في الظروف الراهنة وبعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على سقوط نظام الأسد لم تتمكن السلطة الجديدة من بناء مؤسسات مستقلة قادرة على إدارة الدولة وفق منطق القانون والمواطنة بل تشير مظاهر الفوضى والانقسامات وتكرار الانتهاكات إلى أن السلطة لا تزال عاجزة عن التحول من حالة الثورة إلى حالة الدولة ولا يرتبط هذا العجز فقط بصعوبات المرحلة الانتقالية بل يتجذر في طبيعة التكوين السياسي والعسكري للسلطة نفسها فهي ليست جسما موحدا بل تتكون من فصائل متعددة لكل منها تاريخها وأدواتها ومناطق نفوذها ما يجعل من التنسيق الداخلي تحديا يوميا ويضعف قدرتها على فرض القانون أو ضبط الأداء الفصائلية التي كانت مبررة في سياق مقاومة نظام الأسد باتت اليوم عائقا أمام بناء سلطة وطنية وتنتج حالة من التنازع والصراع الداخلي تضعف هيبة الدولة وتربك علاقتها بالمجتمع إذا استمرت الممارسات الإقصائية ستتآكل شرعية السلطة تدريجيا وستتحول إلى عبء على نفسها بدل أن تكون أداة للتغيير إلى جانب ذلك جاءت معظم العناصر التي كلفت تولي الأمن من خلفيات قتالية ولم تمنح فرصة التعليم أو التدريب المدني بعد سنوات من العيش تحت القصف وفي الخيام وفي ساحات القتال وهذا الواقع يجعل من مهمة إدارة شؤون الناس تحديا كبيرا وينتج أداء هشا لا يستند إلى خبرة مؤسساتية بل إلى منطق القوة والارتجال ومع حجم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب يصبح من الصعب على السلطة مهما كانت نياتها أن تنهض وحدها من تحت الركام من دون شراكة حقيقية مع المجتمع المدني ومن دون دعم دولي فعال ومن دون خطة واضحة تتجاوز الشعارات إلى السياسات الواقعية في ظل هذا الواقع المرتبك لا تقتصر التحديات على ضعف الأداء الداخلي بل تتعقد بفعل وجود قوى متعددة تسعى إلى تقويض سلطة أحمد الشرع وإن اختلفت دوافعها وأدواتها ولا تنتمي هذه القوى إلى معسكر واحد بل تتوزع بين أطراف داخلية وخارجية تتقاطع مصالحها عند نقطة واحدة إضعاف السلطة الجديدة أو دفعها نحو الفشل الفئة الأولى من يمكن وصفهم بـالمطبلين أو الساكتين عن الأخطاء وهم الذين يحيطون بالسلطة من دون أن يقدموا لها النصح أو النقد بل يزينون لها الأداء مهما بلغ من التردي هؤلاء لا يضعفون السلطة من الخارج بل من الداخل عبر إيجاد صورة زائفة عن النجاح وعزل القيادة عن نبض المجتمع الولاء الأعمى لا يصنع دولة بل ينتج سلطة متغطرسة ومنغلقة تفقد تدريجيا قدرتها على الإصغاء والتصحيح الثانية تضم من يبالغون في تصيد الأخطاء ويحولون كل إخفاق إلى مادة للتشكيك والهجوم من دون تقديم رؤية بديلة واضحة يغرق هذا الفريق الرأي العام في اليأس ويغذي الانقسام الاجتماعي والسياسي ويساهم في إيجاد بيئة مشحونة لا تسمح بالحوار ولا بالتدرج في الإصلاح ورغم أن النقد مشروع وضروري إلا أن تحويل بعضه إلى أداة للهدم يفقده قيمته ويحوله إلى جزء من الأزمة بدل أن يكون مدخلا إلى الحل السلطة التي تدار عبر مجموعة ضيقة وتغلق أبوابها أمام الأصوات المستقلة لا يمكن أن تصمد طويلا الثالثة القوى الخارجية التي فقدت نفوذها في سورية بعد سقوط نظام الأسد وفي مقدمتها إيران والمليشيات العراقية واللبنانية التي كانت ومعها روسيا لها اليد الطولى في تقرير المصير السوري سنوات مضت ترى هذه الأطراف في الإدارة الجديدة تهديدا لمصالحها وتسعى لإعادة تدوير نفوذها عبر أدوات متعددة الإعلام التمويل الضغط الدولي أو حتى تحريك خلايا داخلية ما يجمع هذه القوى رفضها أي سلطة لا تخضع لمنطق المحاور أو لا تضمن استمرار امتيازاتها في سورية ما بعد الأسد في قلب هذا المشهد تبرز مسألة الشرعية بوصفها التحدي الأخطر الذي يواجه السلطة الجديدة فالشرعية لا تصنع بالقوة ولا تفرض بالهيمنة بل تبنى على المصداقية وعلى قدرة السلطة على تمثيل الناس وخدمتهم والاستجابة لتطلعاتهم لا يملك الرئيس أحمد الشرع الذي اختارته الفصائل حلا توافقيا شرعية دستورية لكنه يملك فرصة نادرة لإعادة تعريف السلطة وتأسيس نموذج جديد في الحكم إذا ما امتلك الجرأة على مراجعة الأداء والانفتاح على النقد وتوسيع دائرة الشراكة السلطة التي تدار عبر مجموعة ضيقة وتغلق أبوابها أمام الأصوات المستقلة لا يمكن أن تصمد طويلا حتى لو حافظت على السيطرة العسكرية فالمجتمعات لا تدار بالقوة وحدها بل بالثقة وبالقدرة على بناء مؤسسات تحظى بالاحترام وتنتج سياسات عادلة وتحاسب نفسها قبل أن تحاسب الآخرين وإذا استمرت الممارسات الإقصائية ستتآكل شرعية السلطة تدريجيا وستتحول إلى عبء على نفسها بدل أن تكون أداة للتغيير بناء الدولة لا يبدأ من السيطرة بل من الثقة ولا ينجز بالشعارات بل بالقرارات الجريئة التي تعيد وصل السلطة بالمجتمع وتحولها من عبء إلى أداة للتغيير ورغم قتامة المشهد هناك خيط رفيع من الأمل يمكن البناء عليه إذا توفرت الإرادة السياسية والجرأة على التغيير بدأت بعض الأصوات داخل السلطة تدرك أن الاستمرار في النهج الحالي لن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة والتآكل وأن الإصلاح لم يعد خيارا تجميليا بل ضرورة وجودية لكن هذا الخيط الهش لا يمكن أن يتحول إلى مسار فعلي إلا إذا توافرت شروط واضحة أهمها الاعتراف بالأخطاء لا التغطية عليها الانفتاح الحقيقي على المجتمع والكفاءات والخبرات التي تمتلك رؤى وطنية ولا ترتبط بأجندات خارجية اتخاذ قرارات ملموسة تعيد بناء الثقة من خلال فرض السيطرة الكاملة على الفصائل المتحالفة مع السلطة ووقف حالة التنازع الداخلي التي تضعف الأداء وتربك القرار فبناء الدولة لا يمكن أن يتم في ظل ازدواجية السلطة أو تعدد مراكز القرار أو استمرار منطق السلاح في إدارة الشأن العام تفعيل دور المجتمع المدني الذي يشكل ركيزة أساسية لأي مشروع وطني ولا يقتصر هذا الدور على تقديم الخدمات أو تنظيم المبادرات بل يمتد إلى مراقبة الأداء واقتراح السياسات وإيجاد فضاء عام يسمح بالنقاش والتعددية تفعيل دور الإعلام الذي ظل سنوات أداة للتحريض أو التمجيد وتحويله إلى منصة للتنوير تسلط الضوء على القضايا الحقيقية وتساهم في بناء وعي نقدي لا في تغذية الانقسام تبني مسار واضح للعدالة الانتقالية يعيد الاعتبار للضحايا ويوثق الانتهاكات ويؤسس لمحاسبة عادلة لا انتقامية ومواجهة الماضي بشجاعة تؤسس لشرعية أخلاقية وقانونية تحصنها من السقوط العدالة الانتقالية ليست ترفا قانونيا بل شرط أساسي للسلم الأهلي والمصالحة الوطنية وبناء مؤسسات تحظى بثقة الناس وتعيد وصل المجتمع بالدولة باختصار لا يكفي إسقاط النظام المجرم بل يجب أن تنهض البدائل على أسس جديدة تعيد الاعتبار للناس وتعيد تعريف السلطة بوصفها خدمة لا هيمنة ومسؤولية لا امتيازا والسلطة الجديدة أمام اختبار تاريخي إما أن تختار طريق الإصلاح الحقيقي وتفعل شروط التحول السياسي والمؤسساتي وفي مقدمها العدالة الانتقالية وإما أن تستمر في الدوران داخل حلقة مفرغة تعيد إنتاج الاستبداد الذي ثار عليه السوريون فبناء الدولة لا يبدأ من السيطرة بل من الثقة ولا ينجز بالشعارات بل بالقرارات الجريئة التي تعيد وصل السلطة بالمجتمع وتحولها من عبء إلى أداة للتغيير