يثير قرار وقف اقتطاع الانخراطات الاشتراكات النقابية آليا من أجور العمال لصالح الاتحاد العام التونسي للشغل جدلا واسعا في الأوساط النقابية والاقتصادية في تونس وسط مخاوف من تأثيراته في تمويل أكبر منظمة عمالية بالبلاد وعلى قدرتها في الدفاع عن حقوق العمال والموظفين ويأتي هذا التطور في سياق علاقة متوترة بين السلطة التنفيذية والاتحاد ما يضفي على القرار أبعادا سياسية ونقابية تتجاوز الجانب المالي البحت وأعلن أعضاء من المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل التونسي أن السلطات التنفيذية أوقفت فعليا الاقتطاع الآلي للاشتراكات النقابية بداية من شهر فبراير شباط الحالي فيما لم تصدر الحكومة أي منشور توضيحي بشأن ذلك وتعتمد المنظمات النقابية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل على اشتراكات المنخرطين مصدرا رئيسيا لتمويل أنشطتها إذ يوفر نظام الاقتطاع المباشر من الأجور تدفقا ماليا منتظما يضمن للمنظمة الاستقرار المالي وقدرة التخطيط لأنشطتها النقابية والتكوينية والاجتماعية توقف اشتراكات 500 ألف موظف قال الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل التونسي صلاح الدين السالمي لـالعربي الجديد إن الاقتطاع الآلي للانخراطات لنحو 500 ألف موظف في القطاع الحكومي والمؤسسات العمومية توقف بداية من شهر فبراير شباط الجاري مؤكدا أنه كان من المفترض أن تصدر الحكومة في شهر يناير كانون الثاني منشورا بشأن تنظيم الاقتطاعات وتحويل المبالغ لحساب المنظمة غير أنها لم تفعل ذلك وأضاف السالمي وفق العرف المعمول به منذ أكثر من 50 عاما تصدر الحكومة في بداية كل سنة إدارية منشورا لتجديد عملية الاقتطاع الآلي للاشتراكات من رواتب الموظفين في الوزارات والمؤسسات الحكومية بواقع ثلاثة دنانير تونسية حوالي دولار لكل موظف وتحويلها شهريا لحساب الاتحاد وأشار السالمي إلى أن السلطات أوقفت عملية الاقتطاع الآلي مؤكدا في الوقت ذاته أن اشتراكات العاملين في القطاع الخاص تتواصل بشكل عادي وفق آليات تعتمدها النقابات أو بالاتفاق مع المؤسسات المشغلة ويرى مختصون في الشأن النقابي أن وقف هذا الاقتطاع قد يؤدي إلى تراجع ملحوظ في الموارد خاصة أن نسبة من العمال قد لا تبادر بدفع الاشتراكات طوعيا بسبب صعوبات مادية أو ضعف التواصل التنظيمي ما قد يضعف القدرات المالية للهياكل النقابية جدل الحرية مقابل التمويل في المقابل يعتبر مؤيدو القرار أن الاقتطاع الآلي قد يمس بحرية العامل في اختيار الانخراط النقابي وفي المقابل فإن تحويل الاشتراكات إلى مساهمة طوعية يعزز الشفافية ويجبر النقابات على تطوير خدماتها لاستقطاب الأعضاء وعن هذه النقطة يؤكد الخبير في السياسات الاجتماعية بدر الدين السماوي أنه لا يوجد نص قانوني ينظم الخصم المباشر لاقتطاعات الانخراطات في المنظمة النقابية من رواتب الموظفين مشيرا إلى أن الأمر يخضع للعرف الجاري به العمل منذ سنوات وأفاد في تصريح لـالعربي الجديد أن أموال الانخراطات التي تحول شهريا لصالح حساب الاتحاد توفر للمنظمة النقابية سيولة للنفقات التسييرية والتدريب والأنشطة النقابية المختلفة وأشار السماوي في سياق متصل إلى أن المنظمة ستكون مطالبة بجمع الانخراطات بوسائلها الخاصة عبر الجمع المباشر لمساهمات الانخراط من قبل منظوريها مرجحا أن يسجل عدد المنخرطين تراجعا مهما بسبب تأثيرات الأزمة الداخلية في صلب قيادة الاتحاد على موقعه لدى القواعد العمالية وأضاف أي تراجع في التمويل قد ينعكس مباشرة على أنشطة الاتحاد سواء في ما يتعلق بالتكوين التدريب النقابي أو الدعم القانوني للعمال أو تنظيم التحركات الاجتماعية فالعمل النقابي يتطلب موارد لتغطية نفقات التسيير وتمويل الدراسات والخبرات القانونية إضافة إلى مساندة العمال في النزاعات المهنية واعتبر أن اتحاد الشغل مطالب ببلورة رؤية جديدة لدوره الاجتماعي وتطوير طرق العمل النقابي لتجاوز الأزمات الداخلية خرق للاتفاقيات الدولية من جانبه اعتبر المتحدث الرسمي باسم الاتحاد وعضو مكتبه التنفيذي سامي الطاهري في تدوينة على حسابه الرسمي في فيسبوك أن تسهيل السلطات التنفيذية لجمع الانخراطات آليا هو تجسيم للاتفاقية الدولية رقم 87 والاتفاقية الدولية رقم 151 اللتين تنصان على تقديم تسهيلات لفائدة النقابات للقيام بنشاطها واصفا إيقاف هذا الإجراء بأنه خرق للاتفاقيات الدولية التي أمضت عليها الدولة التونسية وفق معايير العمل الدولية وأضاف الطاهري الاقتطاع المباشر آلية محبذة تكرس الإرادة الحرة للعامل لذا فإن لجنة الحريات النقابية تعتبر مثل هذا الإلغاء مخالفا للحق النقابي خاصة إذا كان موجها ضد نقابة معينة وفي سياق نزاع سياسي ودون مبرر إداري محايد واعتبر أن إيقاف الخصم المباشر هو إجراء سياسي عقابي للاتحاد وللعمال سبق أن أقدمت عليه حكومة محمد مزالي عام 1985 وأكد أن النقابيين جابهوا ذلك سابقا بحملات توزيع الانخراطات مباشرة داخل المؤسسات وأفشلوا مخططات السلطة واليوم تتيح الوسائل التقنية الحديثة إمكانيات كبيرة لتجاوز القرار تحجيم دور الاتحاد منذ أشهر تسعى سلطات تونس إلى تحجيم دور الاتحاد العام التونسي للشغل حيث أقر قانون الموازنة للعام الحالي لأول مرة بندا يتعلق بالزيادات في رواتب العاملين ومعاشات المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028 سيجري تحديد قيمتها بموجب أمر حكومي دون إبرام اتفاق مع النقابات خلافا لما جرت عليه العادة في جولات المفاوضات الاجتماعية السابقة وفي الحالة التونسية يمثل الاقتطاع الآلي للاشتراكات موردا أساسيا للاتحاد إذ يضمن تدفقا ماليا منتظما يسمح بتسيير الهياكل النقابية وتشير تقديرات نقابية غير رسمية إلى أن عدد المنخرطين يتجاوز نصف مليون عامل وموظف ما يجعل الانخراطات المورد المالي الأول للمنظمة مقارنة بالمداخيل الثانوية مثل كراء إيجار العقارات أو الأنشطة التدريبية وفي المقابل تشير دراسات مقارنة حول تمويل النقابات إلى أن اشتراكات الأعضاء تمثل أكثر من 90 من موارد العديد من النقابات في أوروبا ما يجعل الحفاظ على قاعدة المنخرطين واستمرارية استخلاص الاشتراكات مسألة حيوية لاستقرارها المالي والنقابي والاقتطاع المباشر هو الآلية المعتمدة في القطاع العمومي والوظيفة العمومية والتي يجري من خلالها استخلاص الاشتراك في إحدى المنظمات النقابية وقد مثل الاقتطاع المباشر على مدى عقود عنوانا لتصالح الاتحاد مع السلطات الحاكمة مع الحركة النقابية والتنسيق المشترك بينهما غير أن قواعد التعامل بين الطرفين أخذت منعرجا آخر منذ مسك الرئيس قيس سعيد بزمام الحكم المباشر عقب تعليق عمل البرلمان وتقليص دور كل الأجسام الوسيطة بما في ذلك المنظمات الوطنية وكان اتحاد الشغل عقب اتخاذ سعيد التدابير الاستثنائية لغلق البرلمان وتعليق الدستور من مناصري قرارات يوليو تموز 2021 لكنه عاد لمعارضتها بعدما سدت كل قنوات الحوار مع السلطة وهو ما دفع هذه الأخيرة وفق أنصاره إلى السعي لتحجيم دوره إما بحله أو تجميده ورغم أن الطرفين تجنبا لفترة طويلة الدخول في صدام مباشر يبدو أن اتحاد الشغل التونسي والرئيس التونسي سيكونان في مواجهة مفتوحة على العديد من الاحتمالات خلال الفترة المقبلة وفي الأيام الأخيرة تصاعد التوتر بين الاتحاد الذي يحشد صفوفه للعودة إلى الشارع والسلطة التي لا تخفي نيتها تحجيم دوره عبر اتخاذ قرارات قد تؤثر في مستقبله