السعودية من التحالف الخليجي والعربي إلى المظلة الإسلامية هل تتراجع القضايا العربية العادلة

في دهاليز السياسة، حيث تُحاك خيوط المصائر بصمت، لا تنسحب الدول من تحالفاتها انسحاب العابرين على عجل، بل تُعيد تموضعها في خريطة القوة كما يفعل الجبل حين يُغيِّر مركز ثقله باحثًا عن أرضٍ أشدَّ رسوخًا ومظلَّةِ سماءٍ أرحبَ من تلك التي ألفتها حدوده القديمة، فتغدو الأحلاف التي قامت بالأمس على حماية جغرافيتها ومواجهة الأخطار المحدقة بها بسبب السياسات المتخبِّطة مجرد نقطة انطلاق نحو إعادة تشكيل موازين الوجود ذاته، وإعادة تعريف الأمن القومي بما يتجاوز الساتر الترابي إلى عمق المصير المشترك، وإنْ كان ذلك على حساب ظلم الشعوب المتطلِّعة إلى انتصارٍ في قضاياها السياسية والوجودية والتاريخية والوطنية العادلة.
في هذا السياق، لا يُقرأ التحول السعودي من عباءة مجلس التعاون الخليجي المشترك التي اتسعت يومًا لأشقاء الجوار الخليجي، إلى قيادة التحالف العربي في عام ألفين وخمسة عشر تحت راياتٍ كبرى، ثم إلى صياغة مظلة أمنية ذات نَفَسٍ إسلاميٍّ عابر للقارات مع تركيا وباكستان، إلا بوصفه تطورًا عضويًّا في بنية التفكير الاستراتيجي، وليس اتفاقًا طارئًا أو تكتيكًا سياسيًّا عابرًا، بل إعادة تعريف جريئة لمرتكزات الأمن القومي المحلي لتلك الدول في زمنٍ تتآكل فيه اليقينيات القديمة؛ إذ وقّعت هذه القوى الثلاث في أغسطس من عام ألفين وستة وعشرين اتفاقًا دفاعيًّا مشتركًا، ينص بمنطوقه الإعلامي على أن أي اعتداءٍ على إحداها هو اعتداءٌ على الجميع؛ ليرتقي التعاون من مجرد تنسيقٍ هشٍّ إلى التزامٍ دفاعيٍّ جمعيٍّ تتشابك فيه السيادات وتتوحد فيه الدماء، مما يفرض سؤالًا وجوديًّا: ماذا حلّ بمشروع الأمن الخليجي الذي طالما تغنّى به الخليجيون؟ ولماذا احتاجت الرياض إلى فضاءٍ أرحبَ تتنفس فيه رئتا مصالحها الاستراتيجية المحلية على حساب مصالح التحالف الخليجي ثم العربي، فضمّت إلى جوارها أنقرة وإسلام آباد تحت سماءٍ واحدة؟
إن المتأمل في مصير فكرة الأمن الخليجي المشترك، على ما حملته من أحلام درع الجزيرة؛ ليكتشف أنها ظلّت حبيسة غرفة لا يتفق ساكنوها على تعريف العدو، ناهيك عن آليات مواجهته، وبقيت الخلافات السياسية المستعصية، كما تجلّى في أزمة قطر، سكينًا حادًّا يقطع
ارسال الخبر الى: