كتاب السرديات لسعيد بنكراد آليات لفهم الإنسان والوجود
يستعرض الباحث والمفكر المغربي سعيد بنكراد في كتابه السَّرديّات في الأدب والتَّاريخ والفينومينولوجيا (المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع، 2026) قدرة السرد على إدراك الإنسان لوجوده وعلاقته بالزمن والتجربة الإنسانية. في كتابه الصادر نهاية فبراير/شباط المنصرم، يقدّم قراءة معمقة لفهم المحكيات، باعتبارها تتعدى مجرد انعكاس للواقع إلى كونها أداة لإعادة بناء المعنى من خلال التخييل.
ينطلق الكتاب من فكرة أساسية، مفادها أن السرد يتيح للإنسان العيش خارج مدار ذاته، ويجعله قادراً على صبّ مجمل انفعالاته ومواقفه في هويات بديلة تتبلور ضمن تخييل موجّه لبناء نص مكتف بذاته. هذا التوجه يسمح للسرد بأن يكون وسيلة للاحتفاظ بالذاكرة، ولمواجهة الآتي، حيث يمنح الفرد قدرة على العودة إلى الحاضر بعد تصحيح أو إعادة صياغة ما وقع ضمن حدود التخييل الممكن، حيث أصالة التخييل تقاس بقدرته على العودة بالذات إلى شرطها الواقعي. كما يشير بنكراد إلى أن المحكيات لا تكتفي بأن تحكي ما ألفناه في الواقع فحسب، فهي تمكّننا من تلمّس موقعها داخل التجربة الإنسانية وفهم معانيها، مستندة في ذلك إلى استيهامات التخييل، التي تكشف عن حقائق وجودنا بطرق غير مباشرة، متجاوزة مجرد الوقائع الواقعية.
يتناول الفصل الأول السرديات وما بعدها، حيث يدرس تشكل المحكيات ووظائفها، وكيف تحوّل السرد من مجرد نقل لخبرات محدودة إلى أداة لرصد التجربة الإنسانية في سياقات متعددة. أما الفصل الثاني، فيركّز على العلاقة بين السرد التخيلي والحدث التاريخي، موضحاً أن السرد لا يقتصر على إعادة الوقائع، بل يستعين بالتخييل لإضاءة أبعاد من التاريخ لا تستطيع الرواية المباشرة الوصول إليها، ما يعكس أهمية السرد في تحويل التجربة الفردية إلى فهم أوسع للواقع والزمن.
أصالة التخييل تقاس بقدرته على العودة بالذات إلى شرطها الواقعي
الفصل الثالث يخصص لتحليل المحكيّ وتشخيص التجربة الزمنية، حيث يبيّن كيف يعيد السرد بناء الماضي، ويجعل الزمن وحدة قابلة للفهم والتأمل، وليس فقط مجرد تسلسل أحداث. بينما يناقش الفصل الرابع الشرط السردي للإنسان، موضحاً كيف يتمثل السرد في إدراك الذات وعلاقتها بالآخر، وكيف يتيح للفرد معالجة هواجس الواقعية
ارسال الخبر الى: