من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن

43 مشاهدة

في اللحظة التي يهرع فيها العالم نحو حافة الهاوية النووية (باستحقاق مذهل) وتنشغل العواصم الكبرى بحسابات الردع فوق مفاعلات بوشهر وديمونة، تمارس السلطات الإقليمية نوعاً آخر من الردع؛ ردعاً داخلياً يستهدف تصفية المستقبل، بل وتصفية الوجود الإنساني ذاته. إنّ المشهد الراهن ليس مجرّد صراع عسكري على النفوذ، بل هو تجلٍّ لسياسة الأرض المحروقة التي تنتهجها الأنظمة ضدّ شعوبها، لا في الحرب، بل على هامشها، حيث تتحوّل المُعتقلات من استثناء قانوني (لدينا موقفٌ منه مبدأً) إلى بنية أساسية يقوم عليها كيان الدولة.

.....

المحور الأخطر في الوضع الراهن العربي والإقليمي (والدولي منذ الطوفان) هو الانتقال من التطبيع مع وجود السجن، إلى التطبيع مع وجود الناس فيه إلى الأبد؛ كأنّما اتفقت نظم الحكم على بناء أسوار ذهنية وماديّة حول كلّ بلدٍ جملةً لتوفير الوقت والجهد حول تحويله لسجن.

تاريخياً، كان السجن مكاناً هامشياً يُعزل فيه الخارجون عن القانون، أمّا اليوم، فقد دُمج السجن في صلب الحياة اليومية. أقول لأصدقائي: بما أنّ فلسفة السجن تحكم المجتمع، علينا مقاومته بأدوات السجين وفلسفته. لكن أليس هذا تطبيعاً مع وجوده في الأخير؟

لم تعد السجون أماكن للتأهيل أو العقاب الجنائي المؤقّت (هل كانت السجون كذلك يومًا؟) بل صارت مؤسسات استئصال وتحييد خلف الأسوار

السجن في مصر، وسجون السلطة الفلسطينية، ومُعتقلات الاحتلال، وزنازين سورية وتونس وبريطانيا وألمانيا وغيرها، لم تعد أماكن للتأهيل أو العقاب الجنائي المؤقّت (هل كانت السجون كذلك يومًا؟)، بل صارت مؤسسات استئصال وتحييد خلف الأسوار، وعقليّة حكم استئصالي خارجها، بحقّ المُخالفين والمُعارضين والمُزعجين والمُغايرين، ومن ثمّ بحقّ المجتمع كلّه.

عندما يمرّر الكنيست قانون إعدام الأسرى، فإنّه يعلن مدّ جريمة الإبادة التي ينتهجها للعام الثالث بحقّ الفلسطينيين إلى حدود الإبادة القانونية. وعندما يغيب المعتقلون في مصر لثلاثة عشر عامًا وسط صمتٍ مطبق وتواطؤ شبه جماعيّ، حتى من مؤسسات تتقاضى رواتبها من جيوب المواطنين للدفاع عن حقوقهم، فإنّ الرسالة الموجّهة للمجتمع هي السجن هو البديل الوحيد للولاء المطلق أو الخرس التام. هذا التطبيع يحوّل المجتمع من

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح